إن أبرز ميراث للإنسانية هو اكتشافها لحلقاتها المفقودة في بناء حضارتها، وإقامة قواعدها وسواري نهضتها ، وربط أبنائها بالضمير الأخلاقي اليقظ في كل زمان ومكان، وشد عضدهم بشحذ عزاِئمهم ووصل وثاقهم بثوابتهم الدينية وأصولهم الثقافية
فلا قيمة لأي إنجاز باهر أو تقدم ظاهر وقد قطع الوصل الممدود بين الأصل والفرع وفصل الدين عن المعرفة والعلم، وجعل الهوة تتسع بين ممارسة الأخلاق وممارسة الثقافة، فأي خطأ أو رعونة تقع في تلك الممارسات هي كفيلة بأن تجعل حياة الإنسان شاقة عسيرة، وتجعل عمله وسعيه وإنتاجه هباء منثورا تذروه الرياح وتعصف به .
وتفوق الإنسان رهين بتلك الممارسات الواعيةالتي تساير ركب الحضارة والتقدم مع التخطيط الدقيق العملي، الساعي إلى الارتقاء بمستوى الالتزام بالأخلاق والقيم وتطبيق أحكام الشريعة والدين، والارتقاء بالفعل الإنساني إلى مستوى الحضارة دون أن يفقد خصائصه الإنسانية، ذلك أن بناء الحضارة الإسلامية يقوم على أساس يقوى تلك الخَصائص، ويسمو بالثقافة الإسلامية ويبرز معالمها المشرقة التي تسعي في صميمها وجوهرِها إلى تكريمِ الإنسان مصداقا
ولقد شهد العقدين الأخرين أثقالا وتحولات وتبديلات كبيرة ونقلات نوعية رهيبة وطاغية في العالم من حولنا في مناحي الحياة كافة, في الاقتصاد, العلم , الاجتماع, والسياسة
وهي تحولات إذا ما قيست بحجم تأثيرها السريع لجاز لنا أن نقارنها زمنيا بما شهدته البشرية من تطور خلال مئات , أو ربما آلاف السنين
ولنا أن نتساءل الآن, هل أصبنا نحن العرب والمسلمين نصيبا من كل هذا التحول والتطور والرقي يليق بأمة تتغني بماض عظيم وتراث انساني أسهم في تطور البشرية ؟
نعم. لقد أصبنا شيئا لا بأس به من التحول في بعض مجالات وفروع العلم والمعرفة, لكن ما خسرناه – في قناعتي – كان أكثر بكثير مما جنيناه, أفدنا شيئا من العلوم الحديثة, وحققنا شيئا من الانفتاح علي العالم من حولنا ؟, وفتحنا أبوابنا , أو انفتحت رغما عنا, لشئ من انتاج هذا العالم وابدعاته, وقلدنا الكثير من أفكاره وعاداته وسلوكياته, ولو كان ذلك علي حساب الكثير من قيمنا الأصيلة وعاداتنا ومبادئنا الخيرة , ولكن أسوء ما في الأمر أننا أضعنا فرصا ثمينة وأهدرنا حقوقا ومصالح ما كان لنا أن نتنازل عنها ولو أننا تمسكنا فيما بيننا , وحكمنا العقل والمنطق وقدمنا المبادئ علي المصالح الآنية, وعمقنا فكرنا وثقافتنا وطورنا من ثرانا الحضاري الثري وحاولنا أن نفهم مبكرا التي حكمت التطور العالمي وشروط النهضة التي تسود العالم اليوم لأحدثنا تقدم وازدهار للثقافة العربية ونهضة فكرية متميزة منبثقة من عمق عالمنا العربي وتراثنا الحضاري لا افكارهم وعاداتهم وقيمهم التي استلبتنا من انفسنا