بقلم: نبيل أبوالياسين
•أوروبا على شفا زلزال.. هل تنهار قيم عصر الأنوار؟
في شوارع باريس، حيث رُسِمَتْ شعارات “الحرية والإخاء والمساواة على جدران الثورة الفرنسية، تُعلِّق اليوم لافتاتٌ لليمين المتطرف تَعدُ بـ”أوروبا بيضاء”!، الانتخابات الأخيرة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا تُسجِّل صعودًا تاريخيًّا لليمين المتطرِّف، بعض الأحزاب تجاوزت 30% من الأصوات، وفي استطلاع لـ”بي بي سي”، قال 58% من الأوروبيين: “نشعر أن قيم التسامح تترنح”، والسؤال الذي يُطارد القارة العجوز: هل تُدفن تحت أنقاض خطاب الكراهية، أم تعيد اكتشاف روحها الإنسانية؟.
•جذور التسامح الأوروبي: هل انكسر ظهر “الفكرة الأوروبية”؟
بعد الحرب العالمية الثانية، بنت أوروبا هويتها على أنقاض الفاشية: ميثاق حقوق الإنسان الأوروبي (1953) كَرَّسَ الحريات الفردية “الاتحاد الأوروبي” تأسس لـ”منع تكرار الحرب عبر التعايش”، ولكن اليوم، تُظهر وثائق مسرَّبة من حزب “البديل لألمانيا” تَبنِّي أجندة تهدف لإلغاء “الهجرة غير الأوروبية”، بينما تَعدُ زعيمة اليمين الإيطالي “جورجيا ميلوني” بـ”إعادة تعريف المواطنة على أسس عرقية”،
وخبير التاريخ الأوروبي “بيتر فرانكوبان”: ما يحدث ليس مجرد تحوُّل سياسي، بل انقلاب على فلسفة القرن العشرين بأكملها.
•أرقام تكشف الكارثة: اليمين المتطرف يكتسح من البرتغال إلى فنلندا
فرنسا: مارين لوبان تحصد 42% في الجولة الثانية للرئاسة (2027 توقعات)، ألمانيا: حزب “AfD” يتصدر استطلاعات شرق البلاد بنسبة 34%، السويد: تحالف يميني يُسيطر على البرلمان لأول مرة منذ 100 عام، الخطر ليس في الأرقام فقط، بل في الشرعنة الإعلامية: قنوات مثل “CNews” الفرنسية حوَّلت خطاب اليمين المتطرف من “هامش” إلى “رأي مُشرَّع”.
•ضحايا الخطاب العنصري: عندما تصبح الهجرة “جريمة”
في إيطاليا، أقرت حكومة ميلوني قانونًا يجعل إنقاذ المهاجرين في البحر “جريمة يعاقب عليها بالسجن”،
– في ألمانيا، هُوجمت مراكز إيواء اللاجئين 2,200 مرة خلال 2023، تقرير منظمة العفو الدولية: “خطاب الكراهية ضد المسلمين ارتفع 300% في هولندا بعد صعود حزب “فيلدرس”، وناشطة حقوقية فرنسية من أصول مغربية:
> “أشعر أن جواز سفري الأوروبي لم يعد درعًا يحميني.. بل وصمة”.
•التسامح تحت النار: هل تنهار “الديمقراطية الليبرالية”؟
اليمين المتطرف لم يعد يكتفي بالحديث عن الهجرة، بل يهاجم أسس الديمقراطية: المجر: رئيس الوزراء أوربان يغلق الجامعات المستقلة ويسيطر على 90% من الإعلام، بولندا: حظر تدريس “النظرية النقدية للعنصرية” في المدارس، اليونان: تسريب تسجيلات لوزير داخليتها يُهدِّد بـ”تطهير المدن من الأجانب”، والمحللة السياسية “أولغا توكارتشوك”: اليمين الجديد لا يريد السلطة فقط.. بل يريد محو فكرة أوروبا ذاتها.
•المقاومة الخافتة: أحزاب الوسط تُصارع شبح الانقراض
أمام هذا المد، تبدو أحزاب الوسط واليسار عاجزة:
– في إسبانيا، فشل تحالف الاشتراكيين في كسر شعبية اليمين رغم خفض البطالة إلى 11%، في فرنسا، يحذّر ماكرون من “حرب أهلية” لكن شعبيته تهوي إلى 22%، والمواطنون يائسون: نسبة الإقبال على الانتخابات الأوروبية انخفضت إلى 49%، والبيانات تُظهر أن 70% من الشباب يرون أن “السياسيين لا يفهمون مشاكلهم.
•أضواء في النفق: حلول قد تُعيد الروح لأوروبا
أمام هذا المدِّ الكاسح، تبرز حلولٌ قد تنقذ القارة من مصيرها المظلم: إصلاح سياسي: تحالفاتٌ بين أحزاب الوسط والحركات المدنية لمواجهة التطرف، كما حدث في البرتغال عام 2023 عندما أوقف تحالف “الخُضر” والاشتراكيين زحف اليمين، ثورة تعليمية: إدخال مناهجَ دراسية تُعيد تعريف “الهوية الأوروبية” على أساس قيم التنوع، كما فعلت فنلندا بمشروع “مدارس التسامح” التي تُدرِّس تاريخ الهجرة كقوةٍ لا تهديد، معركة إعلامية: دعم منصاتٍ مستقلة تُعرّي خطاب الكراهية، مثل مبادرة “أوروبا الحية” في فرنسا وألمانيا التي تُنتج أفلامًا وثائقية عن نجاحات المهاجرين، والتاريخ يُعلِّمنا أن أوروبا وُلدت من رماد الحروب.. فهل تستطيع اليوم أن تولد من رماد خوفها؟!.
وختامًا: إن أوروبا.. إما أن تحترق أو تُعيد اكتشاف نورها،
والقارة التي أنجبت فولتير ومارتن لوثر كينغ تواجه اختبارًا وجوديًّا، وإذا نجح اليمين في تحويل “الخوف من الآخر” إلى سياسة دولة، فستكون أوروبا جثةً سياسيةً تَذْروها رياح التطرف، ولكن التاريخ يُعلِّمنا أن أوروبا تُجدِّد نفسها دائمًا عند الحافة.. الثورات تبدأ من القاع.
والملايين الذين خرجوا ضد عنصرية ترامب وبريكست قد يُشعلون انتفاضةً جديدة، والسؤال ليس “هل سينتصر اليمين؟، بل “هل ستصحو أوروبا قبل فوات الأوان؟”، وكما قال الكاتب ألبير كامو: في خضم الشتاء، تعلَّمتُ أخيرًا أن هناك صيفًا لا يُقهَر بداخلي”، ها هي أوروبا في شتاءٍ قارس.. فهل ما زال الصيف مختبئًا في ضميرها؟
كلمة أخيرة:
هذا المقال ليس مجرد مرآةً تكسر صمت الواقع، بل “صاروخٌ من الأسئلة المحترقة” يُعيد إشعال جذوة التنوير في عقل أوروبا!، الضمير الأوروبي، الذي شيّد صرحَهُ عمالقةُ التنوير، لا يُمكن أن يموت اختناقًا تحت ركام خطاب الكراهية، فإما أن تستيقظ القارة العجوز من سُباتها… أو تُصبح “نُصبًا تذكاريًّا” لحضارةٍ آثرت الخوف على الحكمة!.