عبدالرحيم عبدالباري
في سكون صباحي متوتر، حيث تبدأ مراكز الرعاية الأولية يومها المعتاد، جاء صوت المفاجأة من أقدام وزير الصحة والسكان، الدكتور خالد عبدالغفار، وهو يعبر بوابة المركز الصحي الحضري بمنطقة صقر قريش في حي المعادي، دون سابق إنذار أو مراسم، حاملاً معه عدسة فاحصة لأدق تفاصيل العمل الصحي في واحدة من نقاط التماس اليومية بين الدولة والمواطن. زيارة لم تكن شكلية، بل تمثل تجسيدًا عمليًا لرؤية الدولة نحو منظومة صحية أكثر عدالة وكفاءة.
بدأ الوزير جولته من حيث تبدأ حياة الإنسان على الورق، غرفة تسجيل المواليد، ثم عبر بخطى دقيقة نحو ملفات المرضى، ومكتب حجز التذاكر، ومركز فحص المقبلين على الزواج. هناك، تابع خطوات مبادرة رئيس الجمهورية، واطمأن بنفسه على مدى سرعة الفحوصات، ودقة المواعيد المحددة لاستلام نتائجها. المشهد لم يكن روتينًا، بل رقابة حية على واحد من أهم الإجراءات الوقائية التي تمهد لمستقبل صحي آمن للأسر المصرية.

من طب الوقائي إلى طب الفم، تنقّل الوزير إلى عيادة الأسنان، حيث راجع عدد الكوادر البشرية وجودة الأجهزة وكراسي العلاج. لم تفت عليه أهمية الصيانة الدورية، فوجه بتكثيفها واستحداث وحدة إضافية لتخفيف الضغط عن المرضى. الاهتمام بهذا التخصص يعكس رؤية صحية متكاملة، ترى في الفم بوابة صحة الجسد، وفي الخدمة الجيدة مؤشراً مباشراً على احترام المواطن ووقته واحتياجه.
في غرفة التطعيمات، تحقّق الوزير من انتظام حصول الأطفال على جرعاتهم الوقائية. وبجوار هذه الغرفة، تفقد عيادة الأطفال وحرص على دعم ثقافة الرضاعة الطبيعية، انطلاقًا من دور المراكز الصحية في تعزيز سلوكيات صحية طويلة الأمد تبدأ من الطفولة المبكرة. كانت هذه المحطة من الجولة دليلاً على أن وزارة الصحة لا تُركز فقط على العلاج، بل تسعى لتثبيت دعائم الوقاية والتثقيف الصحي من الجذور.

الوزير انتقل بعد ذلك إلى معمل التحاليل الطبية، حيث تفحّص مستوى التجهيزات، ووجّه بتزويد المعمل بجهاز حديث لتحليل كيمياء الدم، مما سيسهم في تقليص وقت الانتظار وتحسين دقة التشخيص. ثم زار صيدلية المركز، حيث تابع معدلات صرف الأدوية وتحقق من توافر الأصناف الأساسية، في مشهد يُبرز إدراكه العميق لأهمية التناسق بين التشخيص والعلاج وسهولة الحصول على الدواء في مكان واحد.
أهم لحظات الجولة جاءت حين تحدث الوزير مع المرضى المنتظرين، وسألهم مباشرة عن رضاهم ومدى انتظارهم. الإجابات كانت كفيلة بإظهار صورة واقعية للخدمة، حيث عبّر المواطنون عن ارتياحهم، ما دفع الوزير إلى إصدار قرار فوري بصرف مكافأة للعاملين بالمركز، اعترافًا بجهودهم المخلصة. هذه المبادرة كانت بمثابة رسالة للكوادر الطبية بأن الوزارة تراقب وتكافئ، وأن الأداء الجيد لا يضيع.
وفي ختام الزيارة، لم يغفل الوزير عن مراجعة أعمال الصيانة والتشطيبات غير الطبية بالمركز، إيمانًا بأن بيئة العمل جزء لا يتجزأ من جودة الأداء الطبي. شدد على أهمية الحفاظ على الشكل الحضاري والنظافة العامة، بما يليق بالمواطن المصري ويعزز من شعوره بالثقة والكرامة عند دخوله أي منشأة صحية. كانت الجولة درسًا في أن الصحة ليست فقط جهازًا أو دواءً، بل تجربة متكاملة تبدأ من الاستقبال وتنتهي بابتسامة رضا.
غادر الوزير مركز صقر قريش، لكن الجولة لم تنتهِ، فهي ستظل مستمرة ما دام هناك مواطن ينتظر خدمة تستحقه، وكادر طبي يعمل في صمت. كانت زيارته مفاجئة في شكلها، لكنها ضرورية في مضمونها، مؤكدة أن تطوير الرعاية الصحية يبدأ من المراكز الصغيرة التي تخدم الشارع المصري يوميًا. هي خطوة في طريق طويل، لكنه الطريق الصحيح.