عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد استثنائي نادر يعكس الشغف الحقيقي بالممارسة الميدانية، لم يتردد الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، في خلع عباءة الإدارة والنزول إلى ساحة العمل العملي، حين استغاثت أم بصوت يائس يشكو معاناة ابنتها. وفي لحظة إنسانية صادقة، تحوّلت الزيارة التفقدية إلى إجراء طبي عاجل، عندما قرر الدكتور محمد بنفسه إجراء منظار استكشافي لفتاة مريضة تبلغ من العمر 17 عامًا، في حالة إعياء شديد، ليعيد بذلك الأمل إلى قلب أسرتها.
بدأت الحكاية كزيارة مفاجئة تفقدية لمستشفيي أحمد ماهر والجمهورية، ضمن خطة الهيئة لرفع كفاءة الأداء الطبي. لم يكن الدكتور محمد مصطفى يتوقع أن تتحول هذه الجولة إلى موقف عملي يتطلب منه العودة إلى أدوات الطبيب. لكن صرخات الأم التي استنجدت به حركت فيه روح الممارس القديم، فكان القرار أن لا يمر مرور الكرام. هنا، تجاوزت الزيارة حدود التفتيش الروتيني لتتحول إلى لحظة التزام ميداني.

الفتاة، التي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، كانت تعاني من نوبات قيء دموي متكررة لأكثر من ثلاثة أشهر، دخلت على إثرها في حالة إعياء حاد. وبين الإجراءات البيروقراطية المعتادة، بدأت الأسرة تفقد الأمل. لكن مشهد الفتاة الهزيلة والأم الملهوفة أعاد تحفيز غريزة الطبيب داخل رئيس الهيئة، فقرر أن يتدخل بنفسه، مؤمنًا بأن مَن كان يومًا طبيبًا لا يمكنه أن يقف متفرجًا أمام ألم مريض.
في لحظة نادرة، ارتدى الدكتور محمد ملابس التعقيم وتوجّه إلى غرفة المناظير، متخليًا عن دوره كمسؤول أول في المؤسسة، ليستعيد دوره الأول والأساسي كطبيب. هذه اللحظة لم تكن “بطولة”، بل كانت تجسيدًا لحنين دفين إلى الممارسة الطبية، وإيمان راسخ بأن الميدان هو النبض الحقيقي لكل من ارتدى المعطف الأبيض. في هذا القرار، نقرأ كيف يمكن للشغف أن يتغلب على التسلسل الإداري.

قام الدكتور محمد بإجراء المنظار والذي أظهر مستوى عاليً من الاستعداد والاحترافية. لم يكن هذا مجرّد تعاون روتيني، بل لحظة تجلت فيها روح الفريق والرغبة في إنقاذ مريضة شابة وسط أزمة صحية حرجة. وقد أظهرت العملية كم يمكن للمؤسسات الصحية أن تتألق عندما يمتزج العمل الإداري بالحضور الميداني الحقيقي.
أسفر المنظار عن نتائج مطمئنة، حيث تم التأكد من سلامة الجهاز الهضمي للفتاة، ومن ثم تحويلها إلى أقسام أخرى لاستكمال الفحوصات والعلاج اللازم. وخلال دقائق، تبدد الخوف من الأسوأ، وتحولت الدموع إلى نظرات امتنان. فالمشهد الذي بدأ بألم، انتهى بتدخل علمي سريع أنقذ الموقف وأثبت أن المؤسسات لا تُقاس بحجمها بل بقدرتها على التفاعل مع المرضى.
هذا الحدث يبرهن أن القيادة في القطاع الصحي ليست مجرد توقيعات على الأوراق أو مرور رسمي بين الجدران، بل هي قدرة حقيقية على النزول إلى أرض الواقع، ولمس معاناة المرضى ومشاركتهم رحلة الألم والأمل. لقد قدم الدكتور محمد مصطفى نموذجًا حيًا لقائد شغوف بالميدان، يعرف جيدًا أن أبسط إجراء طبي قد يحمل في طياته حياة إنسان ومصير عائلة بأكملها.
لم تكن الواقعة داخل مستشفى أحمد ماهر قصة بطولة مؤقتة، بل درسًا عميقًا في معاني الالتزام المهني والعودة إلى الجذور الإنسانية للمهنة. حين يقرر قائد رفيع أن يستجيب لصوت أم، ويُجري منظارًا لابنتها بيده، فإنه يكتب صفحة جديدة في سجل احترام المريض والعودة إلى روح العمل الطبي النبيل. هكذا تصنع الثقة، وهكذا تستعاد القيمة الحقيقية للطب في أعين الناس.