عبدالرحيمعبدالباري
“حين عاد النور: ملحمة طبية مصرية تعيد البصر لمريض فلسطيني في لحظة فاصلة”

في زمنٍ تتوالى فيه الكوارث، وتخفت فيه بصمات الإنسانية في مناطق الصراع، تظل مصر قبلة للطب الإنساني، تمدّ يدها حيث الحاجة، وتكتب سطورًا من نور وسط عتمة المعاناة. في إنجاز استثنائي يجمع بين التقنية والرحمة، استطاع المعهد التذكاري للأبحاث الرمدية، التابع للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، أن يعيد البصر لمريض فلسطيني فقد الأمل في الرؤية، ليُثبت الفريق الطبي المصري أن الطب ليس علمًا فقط، بل التزام وعطاء بلا حدود.
بتوجيهات مباشرة من الأستاذ الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، وبدعم متواصل من الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، تجسد هذا العمل الطبي في صورة تضامن إنساني فائق. التوجيهات لم تكن مجرد أوامر روتينية، بل خريطة طريق لإنقاذ حياة إنسان واستعادة نعمة البصر، في وقت يمثّل فيه الدعم الطبي للفلسطينيين واجبًا وطنيًا وإنسانيًا. هذه الرؤية السياسية والطبية المتقدمة، وضعت حجر الأساس لنجاح العمل الجراحي المتكامل.
واجه الفريق الطبي حالة معقدة نادرة، عانى فيها المريض من فقدان شبه كلي للبصر نتيجة تداخلات مرضية خطيرة، منها انفصال شبكي، تليفات داخلية، ونزيف شديد، بالإضافة إلى عتامة قرنية كاملة. التحدي لم يكن فقط في نوعية الإصابة، بل في دقة التوقيت وخطورة الحالة. وهنا، ظهرت الجاهزية التقنية والبشرية للمعهد التذكاري للأبحاث الرمدية، الذي استثمر سنوات من التحديث والتدريب ليكون على قدر هذا التحدي.

تم تشكيل فريق طبي متعدد التخصصات، تنسيقًا بين فريق الشبكية بقيادة الدكتور حازم النشار، نائب عميد المعهد واستشاري الشبكية، وفريق القرنية بقيادة الدكتورة صفاء عبد العزيز، استشاري القرنية. هذا التناغم بين الخبرات المختلفة يعكس المستوى العالي من التعاون والتكامل داخل الهيئة. ومع إشراف الأستاذة الدكتورة حنان محيي الدين الغنيمي، عميد المعهد، ظهرت بصمة القيادة العلمية التي تعرف كيف تقود فرقًا نحو المستحيل.
الجراحة امتدت لأكثر من أربع ساعات متواصلة، في سيناريو معقد بدأ بإزالة القرنية المعتمة، واستخدام قرنية صناعية مؤقتة لتمكين جراحات الشبكية، قبل أن تُستكمل بزرع قرنية بشرية من متبرع. تم حقن زيت السيليكون للحفاظ على استقرار الشبكية والرقعة المزروعة. هذا المستوى من الدقة في خطوات متعددة يُظهر تطور إمكانيات المعهد الجراحية والتقنية، وقدرته على مجاراة المراكز العالمية في جراحات العيون المتقدمة.
النجاح لم يكن حكرًا على الجراحين، بل جاء ثمرة تناغم بين كل أعضاء الفريق الطبي، حيث لعب طاقما التخدير والتمريض دورًا أساسيًا في تأمين الحالة ومتابعتها بدقة لحظة بلحظة. هذا المستوى من الجاهزية يعكس تدريبًا مستمرًا، ومناهج علمية متقدمة داخل الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، التي لم تدخر جهدًا في إعداد كوادرها على أعلى مستوى مهني وإنساني.
النتائج الأولية جاءت مبشّرة، فحالة القرنية ممتازة، والشبكية عادت إلى موضعها الطبيعي كما أكدت الأشعة. المريض الفلسطيني – الذي عانى من عتمة العيون وعتمة الواقع – بدأ يستعيد رؤية الأمل مجددًا. هذا الإنجاز لا يقتصر على البُعد الطبي فحسب، بل هو رسالة حضارية بأن مصر، رغم كل التحديات، لا تزال قبلة للمستضعفين، ومنارة للطب الإنساني الرائد في المنطقة.
حين يتقاطع الطب مع القيم، وتصبح المستشفيات ساحات للنضال الإنساني، تتحقق المعجزات. العملية الجراحية التي أُجريت في المعهد التذكاري للأبحاث الرمدية لم تكن مجرد تدخل طبي، بل ملحمة تؤكد أن مصر قادرة على أن ترى، وتُبصر غيرها، وتمنح النور حيث لا ضوء. في لحظة نادرة، عادت الرؤية لعيني مريض، ولكن عاد معها البصر إلى ضمير الطب العربي.