عبدالرحيم عبدالباري
“معركة الوعي: مصر في قلب المواجهة العالمية ضد الإدمان”
في زمن تتسارع فيه وتيرة التحديات النفسية والاجتماعية، وتنتشر فيه السلوكيات الإدمانية بأشكالها المتعددة، تقف مصر في طليعة الدول التي تضع الصحة النفسية ومكافحة الإدمان على رأس أولوياتها. وفي تجسيد حقيقي لهذا الالتزام، جاءت مشاركة وزارة الصحة والسكان – ممثلة في الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان – في المنتدى الخامس لمنظمة الصحة العالمية حول الكحول والمخدرات والسلوكيات الإدمانية، لتعكس الدور الريادي الذي تلعبه مصر في صياغة استجابة صحية شاملة لمشكلة الإدمان، ليس فقط محليًا، بل ضمن المنظومة الإقليمية والدولية.
جاءت مشاركة الأمانة العامة للصحة النفسية المصرية افتراضيًا في المنتدى العالمي بمثابة منصة دولية لعرض إنجازاتها في مكافحة الإدمان. ضمن جلسة “تعزيز الاستجابة الصحية العامة لتعاطي المخدرات”، تم استعراض جهود الأمانة في محاور رئيسية تشمل الوقاية، العلاج، والسياسات الحاكمة. هذه المشاركة فتحت آفاقًا جديدة للتعاون مع أكثر من 120 خبيرًا من مختلف دول العالم، كما عكست الثقة العالمية في قدرات مصر على الإسهام الفعّال في رسم السياسات الدولية المعنية بالصحة النفسية والإدمان.
أحد أبرز البرامج التي تم تسليط الضوء عليها كان برنامج “فواصل”، الذي يتم تنفيذه بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، مستهدفًا طلاب المدارس عبر آلاف الجلسات التوعوية التي وصلت إلى أكثر من 178 ألف طالب في ثماني محافظات. البرنامج لا يقتصر على تقديم معلومات، بل يبني قدرات الطالب النفسية والاجتماعية ويعزز سلوكيات الرفض تجاه المخدرات. إن هذا النهج الوقائي يعد من أقوى أسلحة الدولة في معركتها ضد الإدمان، فهو يضرب في جذر المشكلة قبل أن تستفحل.
استعرضت مصر خلال المنتدى تجربتها المتقدمة في تقديم الخدمات العلاجية لمرضى الإدمان، وفقًا لأحدث المعايير الدولية. تم تقديم برنامج العلاج ببدائل الأفيونات، الذي بدأ في مارس 2023، كأحد النماذج الرائدة إقليميًا. إلى جانب ذلك، عرضت الأمانة برنامج “تعافي”، الأول من نوعه، والذي يعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة العلاج من مجرد الإقلاع إلى إعادة الدمج المجتمعي. هذه البرامج تسير بالتوازي مع جهود التوسع والتطوير المستمر في خدمات الأمانة.
في إطار تحسين سهولة الوصول للعلاج، تبنت وزارة الصحة سياسة “الشباك الواحد”، التي تدمج الخدمات الطبية والنفسية تحت سقف واحد. هذه العيادات تقدم الفحص والمشورة والعلاج المجاني، وقد استفاد منها أكثر من 45 ألف مريض حتى الآن. السياسة تمثل نقلة نوعية في تقديم الخدمة، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية، وتهدف إلى كسر حواجز الصمت والخوف التي تمنع البعض من طلب العلاج في الوقت المناسب.
لم تغفل الأمانة العامة الجانب التشريعي والتنظيمي، حيث استعرضت الأطر القانونية التي تعزز فعالية السياسات العلاجية والوقائية. من خلال لوائح حوكمة صارمة، وقوانين حديثة، تسعى الدولة إلى ضمان الشفافية والعدالة في تقديم الخدمة، وخلق بيئة مؤسسية رادعة لتجارة المخدرات وميسرة للمتعافين. هذا الربط بين الرعاية والتشريع يؤكد أن مصر تتعامل مع قضية الإدمان كقضية دولة، لا مجرد أزمة صحية.
اختتمت المشاركة المصرية برسالة قوية أكدت عليها الدكتورة راغدة الجميل، مفادها أن مصر ملتزمة بالتعاون الإقليمي والدولي في ملف الإدمان، في إطار رؤية وطنية واضحة تنسجم مع أهداف التنمية المستدامة 2030. تبادل الخبرات، والاطلاع على الممارسات الدولية، والانخراط في المنتديات العالمية، لم تعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز منظومة الصحة النفسية ومواكبة التحديات الحديثة للسلوكيات الإدمانية.
إن ما قدمته مصر خلال منتدى منظمة الصحة العالمية لا يُعد فقط عرضًا لجهود وإنجازات، بل هو إعلان صريح عن إرادة وطنية لا تلين في مواجهة آفة الإدمان. بتكامل السياسات، وبتضافر الجهود الوقائية والعلاجية والتشريعية، وبانفتاح على التعاون الدولي، تكتب الدولة المصرية فصلًا جديدًا من فصول الانتصار على التحديات النفسية والاجتماعية التي تهدد مجتمعاتنا، وتثبت أن الصحة النفسية هي البوابة الحقيقية نحو مستقبل صحي وآمن ومستدام.