حسين السمنودي
في رحاب الدعوة الصادقة، تتألق أعلامٌ لا تصنع ضجيجًا لكنها تصنع أثرًا، وبين هذه القمم الهادئة يظهر اسم الشيخ الدكتور عثمان أحمد، أحد علماء وزارة الأوقاف المخلصين، وأحد رموز الدعوة إلى الله في مدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية. رجل آمن بالكلمة الطيبة وأثرها، فغرسها في القلوب والعقول، وجعل من منبر المسجد محرابًا للوعي، ومن الدروس لقاءات حياة لا كلمات محفوظة.
جاء يوم عاشوراء ليزيد هذا العالم الجليل إشراقًا في خطابه الدعوي، فقد شهدت مساجد الصالحية كلماتٍ ملهِمةً منه، تناول فيها أبعاد هذا اليوم الجليل، لا كطقس تاريخي يُحتفى به كل عام، بل كقضية إيمانية متجددة تسكن قلب الأمة وضميرها، وكمشهد تتجدد فيه الدروس والعبر.
عاشوراء، هذا اليوم الذي نجّى الله فيه نبيَّه موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون، لم يكن يوم نجاة فقط، بل كان يومًا من أيام الله الذي تُروى فيه تفاصيل صراع الحق والباطل، وتُستلهم منه معاني النصر بالعقيدة والثبات، لا بعدد الجيوش ولا بقوة السلاح. الشيخ عثمان أحمد، في خطبه المؤثرة، لم يكن يستدعي القصة كحكاية للتسلية، بل كان يُنزلها على واقع الأمة، محذّرًا من غفلتها، مبينًا كيف أن ما أصابها اليوم هو ثمرة لابتعادها عن منهج الله وسنة نبيه.
كان صوته يعلو في المسجد لا بحدة، بل بقوة المعنى، وهو يصف حال المسلمين اليوم، كيف فرّقهم اللهو، وبدّدهم حب الدنيا، بينما فرعون العصر يبطش ويقتل ويهدم بلا حسيب أو رقيب، والقلوب واهنة، والهمم خامدة، والإرادات مسلوبة. وأيّ تشابه مؤلم بين حال بني إسرائيل زمن فرعون، وحالنا اليوم تحت مطارق الظلم والخذلان.
يوم عاشوراء، كما أوضح الشيخ عثمان، ليس فقط للصيام والثواب، بل هو يوم يُراجع فيه المسلم نفسه، أهو مع موسى وثباته، أم مع فرعون وبطشه؟ أهو من الذين صدقوا الله فصدقهم، أم من الذين غرتهم الدنيا فكانوا من الخاسرين؟ إن صيام عاشوراء هو إعلان براءة من الظالمين، وتجديد عهد مع الله أن نكون على طريق الأنبياء، لا على دروب السائرين في الظلمات.
وحين وقف الشيخ يتحدث عن سيدنا الحسين رضي الله عنه وما جرى في كربلاء، لم يكن خطابه مذهبياً، بل كان إنسانيًا وإسلاميًا خالصًا، ركّز فيه على المبدأ، على الشجاعة، على الكلمة الحرة، على أن الظلم لا دين له، وأن الدماء الطاهرة التي سُفكت على أرض كربلاء هي نداء متجدد لكل مسلم: لا تخنع، لا تبع دينك، لا تساوم على الحق.
من مدينة الصالحية الجديدة، كان الشيخ الدكتور عثمان أحمد يوقظ القلوب بخطابه، ينفخ فيها من روح عاشوراء، يحيي فيها الأمل بأن الطريق ما زال أمامنا، وأن العودة لله ليست مستحيلة. لم تكن كلماته مجرد دعوة للصيام، بل كانت دعوة للعودة إلى صفوف المستضعفين، ونبذ العجز، والقيام من السُبات.
إن الأمة التي عرفت موسى عليه السلام ويوم عاشوراء، وعرفت الحسين عليه السلام وكربلاء، لا يليق بها أن تركع اليوم أمام الطغاة، ولا أن تستسلم لعجزٍ زرعته فيها سنوات من التفكك والانشغال بسفاسف الأمور. هذه الأمة التي حملت النور من المدينة إلى العالم، ورفعت راية “لا إله إلا الله” حتى أطراف الصين والأندلس، كيف ترضى لنفسها أن تُكسر بهذا الهوان، وتُسحق تحت أقدام الباطل وهي صامتة؟
في هذا اليوم المبارك، وبين طيات الدعوة الصادقة التي يطلقها الشيخ الدكتور عثمان أحمد، يتجدد الرجاء في أن هناك من يحمل الهمّ، ويوقظ الضمير، ويربط الأمة بتراثها الحقيقي لا المزيف. رجل من بين الناس، يضع يده على الجرح، ويقول للناس: عودوا لله تجدوا النصر، صوموا عاشوراء لا بالجسد فقط، بل بالنية والإخلاص واليقين والعمل.
وهكذا، من محراب الصالحية الجديدة، يواصل هذا الشيخ المخلص طريقه، يرشد الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ويعيد لأيام الله معناها، ويوقظ من عاشوراء ذاكرة أمة تستحق أن تعود لتكون خير أمة أُخرجت للناس.
وفي زمان كثرت فيه الأقنعة وقلّ فيه المصلحون، تبقى كلمات الصادقين أمثال الشيخ الدكتور عثمان أحمد شعلة مضيئة في عتمة الطريق، تُضيء للمسلمين مسارهم، وتربطهم بالحق، وتوقظ فيهم الضمير. وعاشوراء ليس يومًا مرّ وانقضى، بل هو نبضٌ دائم في قلب الأمة، إن أحسنت الإصغاء. فلنصمه إيمانًا واحتسابًا، ولنحيه وعيًا واستنهاضًا، فربّ صرخة صادقة في مسجدٍ صغير، كصرخة شيخٍ في الصالحية، تُوقظ أمة غافلة، وتفتح أبواب النور بعد طول ظلام.