في زمنٍ تُقاس فيه الحياة بالأرقام، والحقوق بالعقود، نُنسى أحيانًا أن للبيوت أرواح، وللجدران ذاكرة، وللبشر جذور لا تُقتلع. تُطرح اليوم على طاولة الجدل قضية “تحرير الإيجارات القديمة”، ويُروّج لها تحت عناوين “العدل” و”التحضر”، وكأن المستأجر الذي أمضى عمره بين جدران منزله صار فجأة عبئًا على التمدن، أو حائلًا دون التطور!
لكن الحقيقة أبعد وأعمق من مجرد أرقام.
بالنسبة للمستأجر، ليست الشياكة ولا الرقي هي ما يربطه بمنزله القديم، بل هو ارتباط أبدي لا يُشترى ولا يُنقل. هذا البيت الذي وُلد فيه الأب، وربى فيه أبناءه، وسهر فيه الليالي على همّ المعيشة ومذاكرة الأولاد، هذا البيت ليس مجرد جدران وسقف… إنه ذاكرة حيّة، ووطن صغير داخل الوطن الكبير.
الابن الذي ورث عقد الإيجار القديم، لم يرث فقط مسكنًا، بل ورث وجدانًا، وحنينًا، وانتماءً لأهله وجيرانه وشارعه. عاش وتعلّم ونضج بين تلك الأزقة، حفظ وجوه الجيران، وحكايات البواب، وضحكات الأطفال في الممرات. وكلما غادر الحي وعاد، يشعر أنه عاد إلى نفسه.
الحي الشعبي ليس عارًا، بل شهادة حياة. لا تُختزل البيوت القديمة في قيمتها العقارية، بل في قيمتها الشعورية والإنسانية. المستأجر الذي يُطلب منه أن يترك بيته مقابل “شقة فاخرة في منطقة راقية”، يُعامل وكأن مشكلته في مستوى السكن. لكن الحقيقة أن البديل، مهما بدا براقًا، لا يُعوض الوطن الصغير الذي في قلبه. فكيف يُطلب من إنسان أن يترك قلبه مقابل ذهب؟
نعم، يمكن أن تُبنى القصور، وتُفتح شقق فارهة في كمبوندات مشيدة، لكن لا يمكن بناء الذكرى من جديد، ولا نسخ رائحة الشارع، ولا استيراد دفء الجيران. لا يمكن اقتلاع جذور الإنسان ووضعه في أصيص حتى يليق بالديكور.
المستأجر ليس سحنجيًّا ولا طفيليًّا كما يُصور البعض. هو مواطن مصري، من لحم هذا الوطن ودمه، حافظ على استقراره، ودفع ما عليه لسنوات، وشارك في بناء نسيج اجتماعي متماسك. هو ليس ضد التطوير، لكنه ضد الإهانة، وضد اقتلاعه كأنه عبء يجب التخلص منه.
لا أحد يرفض التفاهم، ولا الإنصاف، ولكن لا بد أن تُدار هذه القضية بإنسانية وعدل، لا بعصا الاستعلاء وسوط المصالح.
فمن حق كل إنسان أن يحافظ على وطنه الصغير… بيته. حتى وإن كان قديمًا، فبين جدرانه تقيم الكرامة، وتنام الذكريات