الفقد ليس كلمة عابرة، إنه زلزال صامت يقتلع جذورنا من الأرض ويتركنا عالقين في هواءٍ باردٍ لا دفء فيه. لكن أقسى أنواع الفقد هو فقد الأب، ذاك الرجل الذي لم يكن مجرد إنسان عابر في حياتنا، بل كان عمود البيت، ظل الروح، واليد التي تمسح عن وجوهنا خوف الأيام.
الأب ليس فقط من ينفق أو يربي، الأب هو الأمان الذي لا يُشترى، هو الحائط الذي نختبئ خلفه حين يشتد ريح العالم. هو الصوت الذي يسبق النوم ويمنحنا الطمأنينة، هو الحضور الصامت الذي يكفي أن تراه فتشعر أنك أقوى ألف مرة مما أنت عليه.
حين يرحل الأب، لا يرحل جسده وحده.. بل يرحل معه السند، يرحل معنى الحماية، يرحل ذاك الإحساس بأن هناك رجلًا على وجه الأرض يحبك حبًا خالصًا بلا شروط.
تفقده فيتحول قلبك إلى مدينة مهجورة، كل ضحكة كانت صافية تصير باهتة، وكل يوم يمر يصبح أثقل من الذي قبله.
نفقده فنفقد أنفسنا.
نفقده فنفقد لهفتنا للحياة.
نفقده فنتعلم أن العمر بعده مجرد بقايا أيام، وأن الضحك بعده مجرد أصوات بلا روح.
كنت تقول “بابا” فتشعر أن الدنيا مهما قست ستلين، وأنك مهما ضعفت ستجد ظهرًا تتكئ عليه. كنت تقول “بابا” فتطمئن أن هناك قائدًا للرحلة، ليزرع بداخلك يقينًا أن الدنيا لا تخيف. لكن الآن.. الكلمة تنكسر على لسانك، تصير حروفًا حارقة تلسع القلب بدل أن تداويه.
الفقد علّمنا أن الأب حياة كاملة، وأن غيابه موت بطيء لا ينتهي.
الفقد علّمنا أن الأمان لم يكن في جدران البيوت، بل في وجوده.
الفقد علّمنا أن القوة لم تكن في أكتافنا، بل في ظلّه.
يا أبي، برحيلك صار العالم غريبًا، والناس كثر لكن الروح وحيدة. برحيلك أدركت أنني مهما كبرت سأبقى يتيمة من الداخل، يتيمة الحنان، يتيمة الطمأنينة.
الفقد يا أبي موسيقى حزينة تتردد في صدري كل يوم، لا تخمد ولا تسكت.
الفقد يا أبي مرثية طويلة لا تنتهي، أرددها في سري حين يشتد الليل ويغيب الدفء.
الفقد يا أبي ليس غيابك فقط.. بل غياب قلبي معك