عبدالرحيم عبدالباري
في زمن تتسارع فيه الأخبار على منصات التواصل الاجتماعي، تصبح الحقيقة أحيانًا رهينة التأويلات والاتهامات غير الموثقة. وفي خضم هذه الدوامة الإعلامية، تصدرت واقعة الإعلامية الراحلة عبير فخري أباصيري إسماعيل المشهد، بعدما أثيرت اتهامات طالت مستشفى الهرم التخصصي بشأن تأخر الرعاية الطبية واشتراط مبالغ مالية قبل تقديم الخدمة. لكن وزارة الصحة والسكان خرجت لتضع النقاط فوق الحروف، دفاعًا عن حق المريض أولًا، وحفاظًا على سمعة المؤسسات الصحية ثانيًا.
لم تكن واقعة رحيل الإعلامية عبير فخري مجرد حادثة طبية عابرة، بل تحولت سريعًا إلى قضية رأي عام، تداولتها منصات التواصل الاجتماعي بمزيج من العاطفة والغضب. بعض المنشورات تحدثت عن “تقصير” في سرعة التعامل مع الحالة، وأخرى ذهبت أبعد من ذلك لتتهم المستشفى بـ”الاشتراط المالي”. هذا الجدل فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزية المستشفيات في استقبال الحالات الطارئة، وأعاد إلى السطح النقاش حول ثقة المواطنين في المؤسسات الصحية الرسمية.
من خلال البيان الرسمي الصادر عن وزارة الصحة، تبين أن المريضة وصلت بالفعل في حالة حرجة تعاني من اضطراب وعي وهبوط حاد في الدورة الدموية ونقص أكسجين. تحرك الفريق الطبي بسرعة لوضعها على الأكسجين، ثم أجرى الأشعة والفحوصات اللازمة التي استبعدت وجود جلطة بالمخ. ومع تدهور التنفس، تم دعم الحالة بجهاز CPAP، ثم نقلها لاحقًا إلى جهاز التنفس الصناعي، في وقت قصير نسبيًا، وبإشراف مباشر من أطباء الطوارئ. هذه الخطوات توضح أن المستشفى لم يتأخر في أداء واجبه الطبي.
من أكثر ما أثار الرأي العام، الادعاء بأن المستشفى طلب 1400 جنيه قبل تقديم الخدمة. غير أن الوزارة أوضحت أن هذا المبلغ لم يكن مقابل العلاج أو الفحوص الطبية، بل قيمة أفلام الأشعة التي طلب المرافق الحصول عليها. والأهم أن المرافق نفسه اختار تصوير الأفلام بدلًا من طباعتها لتقليل التكلفة. وبالتالي، لم تُحصّل أي مبالغ تخص الخدمات الطبية، التي قُدمت بشكل مجاني كامل كونها حالة طارئة. هنا تكشف التفاصيل أن القصة اتخذت مسارًا مختلفًا عما رُوج على المنصات الرقمية.
مع تدهور الحالة، طلبت أسرة الإعلامية نقلها إلى مستشفى خاص، وتم تجهيز إسعاف مجهز بجهاز تنفس صناعي وطبيب مرافق. وخلال النقل، تعرضت المريضة لتوقف مفاجئ في القلب، فقام الطبيب بإنعاشها على الفور، قبل استكمال المحاولات داخل العناية المركزة بالمستشفى الآخر. ورغم الجهود المبذولة، كان القدر أسرع، لتفقد الإعلامية حياتها في لحظة هزّت قلوب متابعيها ومحبيها. تفاصيل الرحلة تكشف أن المستشفى التزم بما عليه حتى اللحظة الأخيرة.
هذه الواقعة وضعت مستشفى الهرم التخصصي في مواجهة قاسية مع الرأي العام، بين ضغوط الاتهامات وضرورة الرد بالحقيقة. فالمستشفى لم يكتفِ بتقديم الخدمة الطبية، بل حرص على توثيق كل إجراء تم اتخاذه، ليحمي نفسه من التشويه، وليؤكد أن المؤسسات الصحية في مصر لا تتاجر بآلام المرضى. وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تحقيق توازن بين سرعة تداول الأخبار على المنصات، وبين مسؤولية الإعلام في التحقق من صدق المعلومات؟
رغم الحزن الكبير على رحيل الإعلامية عبير فخري، إلا أن الواقعة تحمل دروسًا مهمة. أولها أن وزارة الصحة تتحرك بجدية لحماية حقوق المرضى والدفاع عن مؤسساتها. ثانيها، أن الشائعات قد تظلم مجهودات أطباء يعملون تحت ضغط هائل. وثالثها، أن الإعلام بحاجة إلى التحقق قبل نشر أي معلومة تمس حياة الناس وثقة المجتمع. إن الشفافية، المصداقية، والتواصل الفعال بين المستشفيات والجمهور، هي الضمانة الحقيقية لحماية المنظومة الصحية من التشويه.
بين اتهام وشائعة، وحقيقة وبيان رسمي، تظل حياة الإنسان هي القيمة الأسمى التي يسعى الجميع لحمايتها. ما حدث في واقعة الإعلامية عبير فخري أباصيري إسماعيل يفتح الباب لنقاش أوسع حول دور الإعلام، وواجب الدولة، وحق المواطن في الرعاية الصحية الطارئة. ورغم الألم، يبقى الأمل أن تتحول هذه الأزمة إلى درس يُعيد صياغة العلاقة بين المستشفيات والجمهور، على أساس من الثقة والشفافية والإنسانية.