عبدالرحيم عبدالباري
حين تتحول القاهرة إلى منصة عالمية تجمع صفوة العقول الطبية، يصبح الحدث أكثر من مجرد مؤتمر، بل رسالة تحمل في طياتها الأمل للمرضى، والريادة للعلم، والتكامل بين الشرق والغرب في مواجهة أحد أخطر أمراض العصر: السكتة الدماغية. من 17 إلى 19 سبتمبر 2025، تنبض العاصمة المصرية بالحياة العلمية، حيث تستضيف المؤتمر الدولي المصري الثامن للسكتة الدماغية، إلى جانب المؤتمر العاشر لمنظمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للسكتة الدماغية (MENASO)، في مشهد يعكس مكانة مصر المتنامية كجسر يربط بين الخبرة العالمية والواقع الإقليمي.
يأتي انعقاد المؤتمر في توقيت بالغ الأهمية، إذ تشهد المنطقة العربية والإفريقية تزايدًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بالسكتة الدماغية، وهو ما يضع على عاتق المؤسسات الطبية تحديات جسيمة. حضور نخبة من كبار الخبراء الدوليين، مثل رئيس الجمعية العالمية للسكتة الدماغية ورئيس الاتحاد الأوروبي للسكتة الدماغية، يضفي على المؤتمر قيمة مضافة، ويجعل من القاهرة مركزًا لتبادل الخبرات والتجارب، بما ينعكس على تحسين استراتيجيات العلاج والوقاية في المنطقة.
لا يمر مثل هذا الحدث الكبير دون رعاية رسمية تعكس أهميته، إذ يحظى المؤتمر بدعم معالي الأستاذ الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، ومعالي الأستاذ الدكتور محمد أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي. هذه الرعاية تعكس بوضوح إدراك الدولة لأهمية البحث العلمي ودوره في صياغة مستقبل أكثر أمانًا صحيًا، كما تعبر عن التزام مصر بتبني كل ما هو حديث في المجال الطبي، لضمان وصول الخدمات العلاجية المتطورة إلى المواطنين.
الجانب الأكثر إثارة في المؤتمر يتمثل في ورش العمل الخمس المقرر عقدها في اليوم الأول، حيث تركز على التطبيقات العملية والتقنيات الحديثة في تشخيص وعلاج السكتة الدماغية. هذه الورش لا تقتصر على الجانب النظري، بل تتيح للأطباء المشاركين فرصًا للتدريب العملي والتفاعل المباشر مع أحدث الأجهزة والأساليب. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة واقعية تسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل المض
على مدار يومي 18 و19 سبتمبر، يشهد المؤتمر 16 جلسة علمية متخصصة، بواقع 11 جلسة في اليوم الأول و5 في اليوم الثاني. هذه الجلسات تمثل منصة لتبادل أحدث الأبحاث والتجارب الإكلينيكية، ومناقشة بروتوكولات العلاج الحديثة التي أثبتت فعاليتها عالميًا. التركيز على تبادل النتائج البحثية والخبرات السريرية يجعل من المؤتمر نقطة انطلاق لمشروعات بحثية مشتركة قد تغير وجه التعامل مع السكتة الدماغية في المستقبل القريب.
إحدى أهم أهداف المؤتمر تتمثل في تعزيز التعاون بين الدول العربية والإفريقية في مجال التوعية والبحث العلمي. فالسكتة الدماغية ليست مجرد مشكلة طبية، بل قضية وعي مجتمعي تتطلب حملات تثقيفية واسعة لمساعدة الناس على التعرف إلى الأعراض المبكرة والتعامل السريع معها. التعاون الإقليمي الذي يشجعه المؤتمر يفتح الباب أمام مبادرات مشتركة في مجالات الوقاية والتدريب الطبي، وهو ما يضمن استدامة الفوائد على المدى البعيد.
انعقاد المؤتمر في القاهرة يعكس بوضوح المكانة التي باتت تحتلها مصر كمركز إقليمي للطب والتعليم والبحث العلمي. استضافة مثل هذا الحدث العالمي ليس وليد الصدفة، بل ثمرة جهود متواصلة لتطوير البنية الصحية وتعزيز مكانة الجامعات والمراكز البحثية. ولعل ما يميز هذا المؤتمر تحديدًا هو المزج بين الطابع الأكاديمي البحت والبعد التطبيقي العملي، بما يجعله نموذجًا رائدًا يحتذى به في تنظيم المؤتمرات الطبية العالمية.
بين جدران فندق تريومف بالقاهرة الجديدة، يُرسم مستقبل جديد للتعامل مع السكتة الدماغية، حيث يلتقي الخبراء العالميون والإقليميون لتبادل الرؤى وصياغة حلول عملية. إن هذا المؤتمر ليس مجرد حدث طبي، بل شهادة على أن مصر قادرة على أن تكون عاصمة العلم والطب في المنطقة، وأنها ماضية في طريقها لتقديم نموذج يحتذى به في التعاون الدولي والابتكار العلمي. هكذا تكتب القاهرة فصلاً جديدًا في سجل الريادة الصحية، عنوانه: العلم من أجل الحياة.