عبدالرحيم عبدالباري
حينما تضع وزارة الصحة والسكان نصب عينيها تطوير منظومة صحية متكاملة، فإن الأمر لا يقتصر على خطط مكتوبة أو وعود معلنة، بل يتحول إلى واقع ملموس عبر مشروعات استراتيجية تلامس حياة المواطن مباشرة. إعلان الإدارة المركزية للإدارة الاستراتيجية عن إنجازاتها لعام 2025 يعكس حجم الجهود المبذولة في بناء نظام صحي متطور، قائم على معايير دقيقة ورؤية واضحة، تمزج بين الابتكار والاستدامة، وبين الاستجابة السريعة للأزمات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كشفت الوزارة، عبر الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي، أن الإدارة العامة للتخطيط والسياسات الصحية وضعت أساسًا متينًا لبناء المستقبل، من خلال إعداد دليل المعايير التخطيطية ومقترح دليل السياسات الصحية. هذه الأدلة ليست مجرد أوراق، بل تعد خارطة طريق توحّد جهود جميع القطاعات داخل الوزارة. كما أطلقت الإدارة مبادرة المشروعات الخضراء لإنشاء منشآت صحية مستدامة، وهو توجه يعكس إدراك الدولة لضرورة حماية البيئة، وتقليل الانبعاثات، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد. النتيجة كانت واضحة: استثمارات خضراء وصلت إلى 3.9 مليار جنيه وخفض ملحوظ في استهلاك المياه والكهرباء وإعادة تدوير النفايات.
ما يميز الإنجازات هذا العام هو الدمج بين الصحة العامة والحفاظ على البيئة، حيث لم يعد الهدف مجرد تطوير منشآت طبية حديثة، بل تحويلها إلى منشآت صديقة للبيئة. هذا التوجه يسهم في خفض الأثر البيئي للقطاع الصحي، ويواكب الاتجاه العالمي نحو التنمية المستدامة. المبادرات الخضراء لا تحقق فقط مكاسب بيئية، بل تقلل من التكاليف التشغيلية على المدى الطويل، وتوفر بيئة عمل صحية وآمنة للعاملين. إنها رؤية جديدة تجعل من المستشفيات والمراكز الطبية مؤسسات مسؤولة بيئيًا واجتماعيًا في آن واحد.
الإدارة العامة للأزمات والكوارث أثبتت أن الاستعداد المبكر هو خط الدفاع الأول لحماية الأرواح والمنشآت. من خلال تفعيل أكواد الطوارئ الصحية وإدماجها ضمن أنظمة الإنذار المبكر، أصبحت المستشفيات أكثر قدرة على التعامل مع الكوارث. مراجعة 25 مستشفى وتنفيذ 5 برامج تدريبية في الحريق والكيماويات والإخلاء والمخاطر ومعايير المخازن، إلى جانب تدريب 52 ممثلًا، تعكس جدية الدولة في بناء كفاءات بشرية مدربة. إطلاق برنامج “قادة الأزمات” وتطبيق منهجية RISK PROFILE بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية يرفع مستوى الجاهزية الوطنية لمواجهة أي طارئ صحي.
لم تتوقف الجهود عند وضع الخطط بل امتدت إلى متابعة التنفيذ بدقة. فقد قامت الإدارة العامة للمتابعة والتقييم بوضع مصفوفة متطورة لتقييم أداء المديريات الصحية وفق رؤية مصر 2030. هذه المنهجية لا تكتفي بالأرقام، بل تعتمد على مراجعات ميدانية مباشرة شملت 33 مشروعًا في 17 محافظة، بدءًا من المستشفيات الكبرى وصولًا إلى المراكز الطبية. الهدف هو التأكد من التزام المشاريع بالجداول الزمنية والمعايير الفنية، وضمان توجيه الموارد بشكل عادل وفعّال، بما يحقق أعلى عائد صحي للمواطنين.
الوحدة المركزية للمشروعات والبرامج لعبت دورًا محوريًا في ربط إنجازات الوزارة برؤية الحكومة الشاملة. تحديث مصفوفة برامج الوزارة وتدريب الوحدات الفرعية يعكسان سعيًا جادًا لبناء منظومة متكاملة ومتناسقة. الأهم أن هذه الجهود تواكب برنامج “عمل الحكومة المصرية”، ما يجعل وزارة الصحة جزءًا فاعلًا من منظومة الدولة الكلية في تحقيق التنمية المستدامة. التكامل بين البرامج الوطنية والمحلية يضمن استدامة الإنجازات وتوسيع نطاق الاستفادة منها لجميع المواطنين.
أوضحت الدكتورة رشا الشرقاوي، رئيس الإدارة المركزية، أن هذه الإنجازات تمثل خطوة كبيرة نحو تطوير المنظومة الصحية في مصر، مؤكدة استمرار العمل بروح تكاملية لتحقيق جودة خدمات أعلى. هذه التصريحات ليست مجرد ختام للعام، بل إعلان نوايا لمواصلة العمل والابتكار، حتى تتحقق رؤية “صحة أفضل لكل مواطن”. وهكذا، فإن الإدارة المركزية تتحول إلى عقل استراتيجي يقود المنظومة الصحية بوعي واحترافية، ما يضمن لمصر مكانة رائدة في المجال الصحي إقليميًا ودوليًا.
بين التخطيط الواعي والمتابعة الدقيقة، وبين الإدارة الخضراء والجاهزية للأزمات، تكتب وزارة الصحة فصلًا جديدًا في تاريخ تطوير المنظومة الصحية بمصر. إن ما تحقق في عام 2025 ليس مجرد أرقام أو مشروعات، بل نموذج متكامل يجمع بين الكفاءة والجودة والاستدامة. والرسالة الأهم أن المواطن المصري يظل في قلب هذه الرؤية، حيث تسعى الدولة لتأمين حقه في خدمة صحية شاملة وعادلة، تعكس طموحات وطن يسابق الزمن نحو مستقبل أفضل.