عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يعكس ريادة مصر في صياغة مستقبل التنمية البشرية والصحية، يضع الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة والسكان، اللمسات النهائية لانطلاق المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية، الذي يُعقد برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة. المؤتمر المنتظر، المزمع عقده من 10 إلى 13 نوفمبر 2025، يأتي تحت شعار طموح “تمكين الأفراد.. تعزيز التقدم.. إتاحة الفرص”، ليشكل منصة عالمية للحوار حول التحديات السكانية وقضايا التنمية المستدامة.

اجتماع الوزير الأخير لم يكن مجرد مراجعة شكلية، بل كان خطوة استراتيجية تهدف إلى ضمان خروج المؤتمر بصورة تليق بمكانة مصر الإقليمية والدولية. فقد ناقش الدكتور خالد عبدالغفار، مع اللجنة العليا للمؤتمر، التفاصيل التنفيذية الدقيقة، بدءًا من البرنامج العلمي وحتى آليات التعاون مع المؤسسات الدولية. التركيز انصبّ على تقديم محتوى علمي متكامل يعالج قضايا السكان، وتنمية الأسرة، والتخطيط الاستراتيجي، في ظل ما يشهده العالم من تحولات في النمو الديموغرافي وتحديات في الموارد والتنمية.
ويأتي انعقاد هذا المؤتمر ليؤكد أن مصر لم تعد تتعامل مع القضية السكانية كمشكلة رقمية، بل كقضية تنموية شاملة تمس جودة حياة المواطن واستدامة الاقتصاد الوطني. فالمحاور التي سيتناولها المؤتمر تتجاوز الأرقام والإحصاءات إلى تقديم حلول قائمة على الابتكار، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، من أجل رسم سياسات متكاملة تحقق التوازن بين النمو السكاني ومتطلبات التنمية. كما يهدف المؤتمر إلى إبراز التجربة المصرية الرائدة في المبادرات الرئاسية التي حققت إنجازات ملموسة في مجالات الصحة العامة والرعاية الأسرية.
بحسب ما أوضحه الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، فإن حجم المشاركة في المؤتمر يعكس اهتمامًا عالميًا لافتًا، إذ تم تسجيل أكثر من 9480 مشاركًا من مختلف الدول والمؤسسات الدولية. كما يضم الحدث معرضًا مصاحبًا واسع النطاق، يتيح للزوار التعرف على أحدث التقنيات والحلول المبتكرة في مجالات الصحة والسكان. وستُعقد أيضًا منتديات متخصصة على هامش المؤتمر، تناقش أبرز الاستراتيجيات التي أطلقتها مصر في الدورتين السابقتين، لتكون المنصة فرصة لتقييم الأداء واستشراف آفاق التطوير.
وفي خطوة تُبرز الجانب التطبيقي للمؤتمر، وجّه الوزير بتخصيص سيارات المعامل المتنقلة ومختبر قسطرة القلب المتنقل أمام موقع الفعاليات، لتقديم خدمات فحص مجانية للحضور. هذه الخطوة لا تحمل فقط رمزية وطنية، بل تؤكد رسالة مصر بأن الصحة ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل ممارسة فعلية تعزز الوعي وتدعم الوقاية. كذلك شدد الوزير على ضرورة تكثيف الحملات الإعلامية عبر جميع المنصات الرقمية والتقليدية، لضمان وصول الرسالة إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين، محليًا ودوليًا.
اللافت في هذا الحدث هو التكامل بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية في صياغة رؤية مشتركة للمستقبل. فالمؤتمر لا يُعقد بمعزل عن الجهود الوطنية في إطار “رؤية مصر 2030″، التي تضع الإنسان في قلب عملية التنمية. ومن خلال جلساته التفاعلية وورش العمل، سيتم تبادل الخبرات حول سياسات الصحة الإنجابية، وتمكين المرأة، والاستثمار في الشباب كقوة دافعة للتنمية البشرية المستدامة، مما يجعل المؤتمر نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الوعي والسياسات الفاعلة.
العاصمة الإدارية الجديدة تستعد لتكون شاهدة على حدث عالمي سيجعل من مصر منارة للنقاش الدولي حول قضايا الإنسان والتنمية. فبين جدران قاعات المؤتمر ستتلاقى العقول والخبرات، لتُصاغ رؤى جديدة توازن بين التحديات السكانية وفرص التنمية المتاحة. إن مؤتمر السكان والصحة والتنمية البشرية ليس مجرد حدث مؤقت، بل إعلان واضح بأن مصر ماضية بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى إرادة سياسية واعية، وقيادة تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن يضمن للأوطان البقاء والتقدم.
وبينما تترقب أنظار العالم ما ستقدمه القاهرة في نوفمبر المقبل، يبقى هذا المؤتمر شهادة جديدة على أن مصر لا تكتفي بالتفاعل مع قضايا العالم، بل تصنع من أرضها منبرًا للحوار والحلول. في زمن تتسارع فيه التحديات، يثبت هذا الحدث أن مصر، برؤيتها المتوازنة ونهجها العلمي، ماضية في طريقها نحو تحقيق معادلة التنمية البشرية العادلة، التي تضع الإنسان أولاً، والكرامة الإنسانية هدفًا لا حياد عنه.