في لحظة تاريخية تعكس تحولات عميقة في الخريطة الجيوسياسية العالمية، توقّعت كوالالمبور أول اتفاقية دفاع رسمية مع واشنطن، مُعلنةً بذلك خروجاً عن إرث مهاتير محمد السياسي القائم على التوازن بين القوى العظمى. على الجانب الآخر من العالم، وفي ردّ مفعم بالجرأة، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن نجاح اختبار طوربيد “بوسيدون” النووي، راداً بذلك على تهديدات نظيره الأمريكي دونالد ترامب. بين ماليزيا التي تبحث عن حامٍ جديد، وروسيا التي تستعرض عضلاتها النووية، وواشنطن التي تعيد انتشارها في آسيا، تُعيد هذه التطورات رسم معالم نظام دولي جديد، حيث تتصاعد حرارة التنافس الإستراتيجي إلى مستويات لم تشهدها البشرية منذ أحلك أيام الحرب الباردة.
ماليزيا تعاكس نهج “مهاتير”: اتفاقية الدفاع مع واشنطن
في خطوة بالغة الدلالة، أعلن وزير الدفاع الماليزي داتو سري محمد خالد نودين توقيع أول اتفاقية تعاون دفاعي رسمي ومنهجي مع الولايات المتحدة الأمريكية. جاء الإعلان بعد اجتماعه بنظيره الأمريكي بيت هيغسيث على هامش اجتماعات وزراء دفاع آسيان، ليمثل سابقة في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين. أوضح الوزير الماليزي أن هذا الإطار الجديد سيمكن البلدين من تنسيق وتنفيذ الأنشطة الدفاعية بطريقة أكثر تنظيماً وفعالية، بعد أن كان التعاون السابق يجري على أساس “مخصص” من خلال التدريبات المشتركة وتبادل الضباط وبرامج الدعم الأمريكية لتعزيز قدرات الدفاع الوطني.
هذه الخطوة تُمثل تحولاً جوهرياً في السياسة الخارجية الماليزية، التي ظلت لعقود تتبع نهجاً قام على التوازن الدقيق في العلاقات الدولية، وحاول تجنب الارتباط الأحادي بأي قوة عظمى. إنها خروج صريح عن إرث مهاتير محمد، رئيس الوزراء الأسطوري الذي حكم البلاد لعهدين متفرقين وأسس لسياسة “النظر شرقاً” وتعزيز التعاون مع القوى الآسيوية مثل الصين واليابان، مع الحفاظ على مسافة معقولة من الهيمنة الأمريكية. يُذكر أن مهاتير، البالغ من العمر 97 عاماً، قد خسر قوته وتأثيره في الانتخابات العامة الأخيرة، مما مهد الطريق لهذا التحول الإستراتيجي الكبير .
رد بوتين النووي على تهديدات ترامب: “بوسيدون” لا يُعترض
على الجانب الآخر من الكوكب، وفي توقيت بالغ الحساسية، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن عن نجاح اختبار طوربيد “بوسيدون” المسير بمحرك نووي، في رسالة واضحة إلى البيت الأبيض. جاء الإعلان خلال زيارة بوتين لمستشفى عسكري مركزي في موسكو، حيث أكد أن الطوربيد الجديد يتمتع بقوة تدميرية “أشد بكثير من صاروخ سارمات النووي العابر للقارات”، مشدداً على أنه “لا توجد طريقة لاعتراضه” . هذا السلاح الفريد، الذي توصف قدرته بأنه قد يسبب “تسونامي مشع” يمكن أن يجعل المدن الساحلية غير صالحة للسكن، يمثل نقلة نوعية في سباق التسلح العالمي.
هذا الإعلان الروسي لم يأت من فراغ، بل جاء رداً مباشراً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد أمر الجيش الأمريكي باستئناف اختبار الأسلحة النووية “على الفور” لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود. وبرر ترامب قراره بالقول: “مع قيام الآخرين بالاختبار، أعتقد أنه من المناسب أن نفعل ذلك أيضاً”. فرد الكرملين، عبر متحدثه ديمتري بيسكوف، بأن روسيا “لم تختبر” الأسلحة النووية لكنها ستتصرف بالمثل إذا استأنفت واشنطن التجارب، مذكراً بتصريحات بوتين المتكررة: “إذا غادر شخص ما الوقف الاختياري، فستتصرف روسيا وفقاً لذلك” . المشهد يعيد إلى الأذهان أيام الحرب الباردة، لكن بأسلحة أكثر ترويعاً.
المشهد الجيوسياسي: صراع القوى العظمى يعيد تشكيل التحالفات
تتقاطع هاتان القصتان في حقل الطاقة الجيوسياسية العالمية، حيث تتصاعد حدة التنافس بين القوى العظمى على النفوذ والسيطرة. تحول ماليزيا نحو واشنطن لا يمكن فهمه بمعزل عن الصورة الأوسع المتمثلة في محاولات الولايات المتحدة تعزيز وجودها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. وفي المقابل، يمثل الرد النووي الروسي محاولة من موسكو للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى لا يمكن تجاهلها، وإرسال رسالة واضحة بأنها لن تتراجع أمام الضغوط الأمريكية.
هذه التطورات توقع في وقت تشهد فيه أوكرانيا واحدة من أشرس مراحل الحرب، حيث أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا أطلقت مؤخراً أكثر من 650 طائرة بدون طيار و50 صاروخاً في هجمات استهدفت البنية التحتية للطاقة، مما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص بينهم فتاة في السابعة من عمرها. كما أكد الكرملين أن القوات الروسية تسمع “باستمرار لغات أجنبية” على الخطوط الأمامية في أوكرانيا، ووعد بأن هؤلاء المقاتلين الأجانب سيتم “تدميرهم”، في تصريح يزيد من حدة التوتر مع حلف الناتو.
في زمن التصعيد.. السلام يتراجع والعالم على حافة الهاوية
وختامًا: ها هو العالم يعيش مرة أخرى على حافة الهاوية، حيث تتصاعد نذر سباق تسلح جديد يذكر بالأيام المظلمة من الحرب الباردة، لكن هذه المرة بأسلحة أكثر تطوراً وتدميراً. ماليزيا، بتوقيعها أول اتفاق دفاعي مع واشنطن، تعلن انحيازها الواضح في الصراع الدولي القائم، مودعة بذلك سياسة مهاتير محمد التاريخية القائمة على الحياد الإيجابي وعدم الانحياز.
وفي المقابل، يرسل بوتين برسالة نووية واضحة عبر طوربيد “بوسيدون” الذي لا يُعترض، راداً على تهديدات ترامب الذي قرر استئناف التجارب النووية الأمريكية بعد توقف دام 33 عاماً. بين التحولات الإستراتيجية والردود النووية، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من المواجهة، حيث تتراجع لغة الحوار والدبلوماسية لصالح لغة القوة والتصعيد، في مشهد ينذر بعودة إلى سياسة الغاب، حيث تتصارع الذئاب على النفوذ والسيطرة، وتُدفع الشعوب ثمناً باهظاً لأحلام الإمبراطوريات وأوهام التفوق. السؤال الذي يظل معلقاً: هل ستنجح الحكمة في آخر لحظة في انتشال العالم من براثن حرب قد لا يبقى بعدها منتصر ولا مهزوم؟.