عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة تمزج بين العلم والإنسان، وبين مهنية الطبيب ووجدان الإنسان، وقف الأستاذ الدكتور محمد رفعت، نائب رئيس جامعة القاهرة، في المؤتمر السنوي للمعهد القومي للأورام، ليقص واحدة من أكثر القصص تأثيراً وعمقاً. لم يتحدث عن أبحاث أو سياسات أو أرقام هذه المرة، بل تحدث عن قلبه، وعن رحلته مع مرض زوجته، رحلة امتدت بين مستشفيات مصر وخارجها، مليئة بالقلق والأمل والإيمان. كانت كلماته صادقة، مليئة بالوجع والامتنان، وبكاؤه على المنصة لم يكن ضعفاً، بل كان قمة القوة الإنسانية.
بدأ الدكتور محمد رفعت كلمته بالتأكيد على أن تجربة المرض ليست مجرد حالة صحية، بل هي اختبار وجودي للأسرة كلها. حكى كيف بدأت الأعراض عند زوجته، وكيف بدأ القلق يتسرب إلى البيت بصمت ثقيل. وصف الليالي التي لم تكن تمضي، والمواعيد الطبية التي كانت تحمل بين طياتها خوفاً وأملاً، وكيف كان يحاول أن يكون ثابتاً أمام أبنائه رغم أن قلبه كان يتشقق. كانت تلك البداية مجرد مقدمة لسلسلة طويلة من التحديات، لكنها كانت أيضاً بداية وعي جديد بقيمة الحياة والعافية والرضا.
أشاد الدكتور محمد رفعت بالأطباء المصريين الذين وقفوا بجواره منذ اللحظة الأولى، مشيراً إلى احترافهم الإنساني قبل العلمي. تحدث عن المستشفيات الجامعية، وعن الفرق الطبية التي لم تبخل بمعلومة أو دعم أو وقت. وأكد أن المعهد القومي للأورام كان نموذجاً للطب الذي يحمل القيم قبل المعارف. ورغم صعوبة الحالة والحاجة إلى تدخلات متقدمة، كان هناك دائماً من يطمئنه، من يقول له: لسنا وحدك.. نحن معك. هذه الكلمة وحدها كانت علاجاً موازياً للأدوية.
ورغم الجهود الكبيرة داخل مصر، اتجهت الأسرة للخارج بحثاً عن خيارات علاجية أكثر تقدماً. وصف الدكتور رفعت تلك الرحلة الطويلة التي جمعت بين طوابير المستشفيات وغرف الفحوص وممرات الانتظار. كانت تجربة مادية ونفسية مرهقة، لكنها كشفت عن قوة الرضا بالله وقدرته على تهدئة القلوب. قال إنه رغم التكنولوجيا المتقدمة، لم يجد في الخارج دفء الكلمة الطيبة التي يجدها من طبيب مصري يستشعر أنه يعالج أخاه قبل مريضه.
عند ذكر لحظة الألم الأكبر في رحلته، لم يستطع الدكتور رفعت إكمال كلماته. انكسر صوته، وبكت عيناه، وبكى معه الحضور. لم يكن البكاء ضعفاً، بل كان اعترافاً بالإنسانية، وبأن أصحاب المعاطف البيضاء هم أيضاً بشر، لهم قلوب تحب وتتألم. كان المشهد رسالة مؤثرة بأن المرض لا يفرق بين عالم وطبيب ومواطن، وأن الرحمة هي أعلى درجات العلم، وأن القوة ليست في إخفاء الألم، بل في القدرة على الاعتراف به ومواجهته.
اختتم الدكتور رفعت حكايته برسالة امتلأت امتناناً لكل يد مَدّت له العون، ولكل طبيب، ولكل ممرضة، ولكل من دعم بكلمة طيبة. وقال إن المرض علّمه أن قيمة الإنسان ليست في ما يملك، بل في من يقف إلى جواره وقت الشدة. ودعا إلى مزيد من الدعم للمؤسسات الطبية في مصر، وعلى رأسها المعهد القومي للأورام، كي يستمر في حمل راية الرحمة والعلم معاً.