يكفي ظلماً لهذا العالم الذي يقف متفرجاً على انهيار كامل لوطن عربي، بينما تتصاعد التحذيرات من مسؤولين أمميين دون أن تلقى آذاناً صاغية. بين أنقاض المدن والجثث المبعثرة على الطرقات، هكذا بدأ “نبيل أبوالياسين” رئيس منظمة الحق الدولية لحقوق الإنسان والمحلل البارز، الباحث في الشأن العربي والدولي بيانه الصحفي ويعلن فيه رفضه لاستمرار هذه المأساة، ويجدد مطالبته لمصر بقيادة تحالف دولي لعملية عسكرية محدودة لإنهاء معاناة الشعب السوداني قبل فوات الأوان.
الكارثة الإنسانية: أرقام تروي قصة المعاناة
أوضح أبوالياسين أن الحرب في السودان أصبحت تمثل “أكبر أزمة إنسانية في العالم” اليوم، مستنداً في ذلك إلى التقارير الأممية الصادرة عن المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، التي حذرت من أن حجم الاحتياج الإنساني في السودان كبير للغاية، وأن أزمة النزوح الحالية وصلت إلى “نطاق هائل”، مع تزايد التقارير عن العنف المروع ضد المدنيين. وأشار إلى أن بوب كشفت في إحاطتها الصحفية من العاصمة السودانية الخرطوم عن أرقام مفزعة للنزوح، حيث نزح 90,000 شخص من الفاشر وحدها خلال الأسبوعين ونصف الأسبوع الماضيين، كما نزح حوالي 50,000 شخص إثر الأحداث التي وقعت في كردفان. ولفت أبوالياسين إلى أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تمثل أبرياء يُجبرون على مغادرة ديارهم، ويتعرضون للعنف، ويفصلون عن أسرهم في مشاهد مأساوية تمس كرامة الإنسان الأساسية.
صرخات إيمي بوب: تحذيرات أممية لمُبْصِرين
حذّر أبوالياسين من أن العالم يتعامل بتباطؤ غير مبرر مع الكارثة الإنسانية في السودان، مستشهداً بالتحذيرات المتكررة التي أطلقتها المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، والتي أكدت أن الهدف من زيارتها إلى السودان هو لفت الانتباه إلى الأزمة التي تتزامن مع تراجع غير مسبوق في المساعدات الإنسانية عالمياً. وأضاف أن بوب سَلَّطَت الضوء على الأوضاع المأساوية في مناطق النزاع الرئيسية، مؤكدة أن الأرقام تتزايد باستمرار، ونقلت شهادات صادمة للنازحين الذين يفرون من مناطق القتال، حيث يواجهون مخاطر مروعة على طول الطريق. وتابع أبوالياسين أن بوب قالت: الأشخاص الذين يخرجون من المنطقة يُبلغون عن انتشار واسع للعنف والاعتداءات الجنسية، وإطلاق النار على المدنيين. وصف الكثيرون مغادرة المنطقة ورؤية جثث القتلى على طول الطريق، مما يؤكد أن المأساة تفوق أي وصف.
جرائم الحرب: إبادة منهجية واستهداف للنساء
أكد أبوالياسين أن التقارير الواردة من السودان تُظهر دليلاً صارخاً على جرائم حرب ممنهجة، مستشهداً بتقارير “شبكة أطباء السودان” التي وثقت 32 حالة اغتصاب مؤكدة خلال أسبوع واحد لفتيات نزحن من الفاشر، حيث أوضحت الشبكة أن بعض هذه الاعتداءات وقعت داخل الفاشر عقب اجتياح “قوات الدعم السريع” للمدينة، بينما تعرضت أخريات للاعتداء أثناء محاولتهن الفرار. وأشار إلى أن هذه الانتهاكات تمثل “خرقاً صارخاً” للقانون الدولي الإنساني وترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولفت أبوالياسين إلى تحذير هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن الاغتصاب “يستخدم عمداً وبشكل منهجي” في السودان، وأن أجساد النساء أصبحت مسرحاً للجريمة، مؤكداً أن هذه الجرائم تستهدف كرامة الإنسان وتنتهك كل المواثيق الدولية.
التواطؤ الدولي: صمت عربي ودعم خارجي للميليشيات
أشار أبوالياسين بأسى إلى الصمت العربي المطبق تجاه ما يحدث في السودان، معتبراً أنه تواطؤ غير مبرر في ظل وجود أدلة على تدخلات خارجية تغذي الصراع. واستشهد بموقف مشابه عندما أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة “جميع أشكال التدخل الخارجي التي تغذي الصراع” في السودان، لكنه افتقر إلى أي إشارة صريحة إلى دولة بعينها التي تتهم بتسليح قوات الدعم السريع. وأضاف أن هذا الصمت العالمي والتواطؤ يذكرنا بما حدث ويحدث في غزة، حيث قارن بين الموقفين مستشهداً بتصريح سابق له في سياق مختلف قال فيه: تواطؤ أميركا بات واضحا اليوم، فكل العالم يطالب بوقف الإبادة والتجويع في غزة عبر مجلس الأمن، إلا شريك إسرائيل الفعلي، أميركا. وشدد على أن الأمة العربية تواجه مؤامرة كبرى تستهدف وجودها وأمنها.
الحل العسكري المحدود: نداء أخير للضمير العربي
ناشد أبوالياسين مصر والدول العربية التحرك فوراً لإنقاذ ما تبقى من السودان، مؤكداً أن الوقت قد حان لتدخل عسكري عربي محدود لتجريد جماعة الدعم السريع من كافة أسلحتها. وأوضح أن الجهود الدبلوماسية فشلت في إحراز أي تقدم ملموس نحو السلام، وأن النداءات المتكررة لوقف إطلاق النار لم تلقَ أي استجابة جدية من الأطراف المتحاربة. ولفت إلى أن الهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر التي يتم التفاوض عليها حالياً “قيد النقاش والتفاوض وفق التقارير الصادرة مؤخراً… ويتوجب الحض على قبول هذا المقترح وتنفيذه فوراً، دون تأخير”. وحذر من أنه في حال فشل هذا المقترح، فإن عملية عسكرية محدودة تصبح الخيار الوحيد لوقف نزيف الدماء وحفظ كرامة الأمة العربية.
لا مكان للصمت في زمن الإبادة
وختم أبوالياسين بيانه الصحفي قائلاً: إننا نعيش لحظة تاريخية لا تحتمل الصمت أو التردد، فإما أن نكون أو لا نكون. السودان يحترق وشعب يباد والكرامة العربية تُداس. إنني أتوجه إلى مصر كقلب للأمة العربية، وإلى كل حكومات لنا وشعوبنا، بأن تقف معاً في هذا المنعطف المصيري. لقد آن الأوان لتحالف عسكري عربي محدود يضع حداً لهذه المأساة، ويُعيد الأمل لشعب السودان. إن التدخل الآن ليس خياراً بل واجباً إنسانياً وأخلاقياً وقومياً. إننا أمام اختبار حقيقي لإنسانيتنا وعروبتنا، والتاريخ سيحاسبنا إن نحن تخلينا عن واجبنا.