من واقع متابعتى اليومية لمشهد الانتخابات فى دوائر متعددة، ومع زخم الأحاديث الدائرة بين الناس فى الشارع وعلى المقاهى ووسائل التواصل، شعرت أن المزاج العام كان يحتاج إلى كلمة واضحة تعيد الثقة وتضع النقاط فوق الحروف، وبينما كنت أسترجع ما تابعته من شكاوى واحتجاجات هنا وهناك، جاء منشور الرئيس عبد الفتاح السيسى ليجيب عن كل ما كان يدور فى أذهان الناس، وليؤكد أن الدولة ترى وتتابع، وأن صوت المواطن لن يضيع وسط الصخب. كان المنشور بالنسبة لى – ولملايين المتابعين – لحظة استعادة للثقة فى أن ما يجرى يدار بشفافية ومسؤولية، وأن القيادة السياسية تقف على مسافة واحدة من الجميع، بما يؤكد أن الدولة المصرية لا ترضى إلا بما يرضى الله ثم إرادة الشعب، فالرئيس لم يكتب تعليقا عابرا، بل قدم وثيقة سياسية مكتملة الأركان تعيد ترتيب أولويات العملية الانتخابية، وتمنح المؤسسات المستقلة قوة مضاعفة لممارسة دورها دون تردد أو مجاملة.
وفى زمن تختبر فيه ثقة الشعوب بمؤسساتها، ووسط سعى البعض إلى التشكيك فى نزاهة الانتخابات أو التشويش على إرادة الناخبين، خرجت الرسالة الرئاسية لتقول بوضوح ان الدولة تراقب، والقانون يحكم، والشفافية هى الطريق الوحيد.. لم يكن الأمر مجرد بوست على وسائل التواصل، بل كان إعلانا صريحا بأن مصر الجديدة تدار بمنطق الدولة القوية العادلة، لا بمنطق الحسابات السياسية الضيقة.
من أبرز ما حمله منشور الرئيس هو التأكيد على ضرورة فحص الطعون والأحداث بدقة كاملة، وفق القانون، وبإشراف الهيئة الوطنية للانتخابات، وهذا الموقف يعيد التوازن للمشهد ويمنع الاحتقان، ويؤكد أن الفصل فى النتائج لن يكون إلا عبر القنوات القانونية.
كما شدد الرئيس على إتاحة صورة محاضر الفرز لكل مرشح ومندوبه، وهى خطوة نوعية تعزز الثقة وتمنع الجدل حول الأرقام والنتائج، وتجعل كل مرشح مطمئنا أن حقه محفوظ وأن الصندوق هو الحكم.
ويحمل المنشور بعدا نقديا ضمنيا لممارسات سابقة فى عهود مضت، حين كان التدخل فى الانتخابات يعتبر أمرا اعتياديا، لكن الرسالة الرئاسية الحالية تنسف هذا الإرث وتؤسس لمرحلة يكون فيها القانون هو السيد، والإجراءات هى الضمانة الوحيدة لشرعية النتائج.
جاء المنشور فى توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد بعض الدوائر تنافسا شديدا تشوبه شكاوى واحتجاجات، وفى مثل هذه اللحظات، تتعالى الأصوات وتتسع مساحة الشك، وهنا تتدخل القيادة السياسية لتغلق الباب أمام أى محاولة للتلاعب بالرأي العام أو نشر الفوضى، لذلك يمكن القول إن الرئيس مارس الوقاية السياسية قبل أن تتحول المشاكل الصغيرة إلى أزمة كبيرة.
كما أن مطالبة الرئيس للهيئة الوطنية للانتخابات بإعلان ما وصل إليها من مخالفات فى الدعاية والإجراءات، يمثل خطوة متقدمة فى تعزيز مبدأ المساءلة العلنية، ويحمل رسالة مفادها أن الدولة لا تكتفى بالتصحيح، بل تعلم الناس بما حدث وكيف عولج.
ومن الزاوية التحليلية، يمكن اعتبار هذا المنشور محاولة لتثبيت خط جديد فى الممارسة السياسية المصرية، بانه لا حماية لفائز، ولا انتقاص من خاسر، ولا تهاون مع مخالفة… بل حماية كاملة للعملية نفسها، وهذا التحول مهم، لأنه يعنى أن القيادة السياسية تنظر إلى الانتخابات بوصفها رصيدا للدولة أمام شعبها والعالم، لا مجرد نتيجة أو مقاعد فى البرلمان.
لا يمكن تجاهل الدور المهم الذى تقوم به وزارة الداخلية فى تأمين العملية الانتخابية بكافة مراحلها، فجهودها الممتدة تشمل تأمين اللجان، وتنظيم محيطها، وحماية أطقم القضاة، وضمان انسيابية الحركة أمام الناخبين، هذا الدور، الذى يجرى بصمت وانضباط، يمثل أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار المشهد الانتخابي، ونجاح الجولات دون تعطل أو تجاوز، كما أن التزام الوزارة بالحياد التام وتنفيذ التعليمات الصارمة فى عدم التدخل يعكس تطور المؤسسة الأمنية ووعى قياداتها بأهمية النزاهة وحماية الإرادة الشعبية.
إن منشور الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يكن مجرد توجيه إدارى أو رسالة تهدئة، بل كان إعلاناً لمرحلة سياسية أكثر انضباطا ونزاهة، مرحلة تعلى من شأن القانون، وتحترم خيارات الشعب، وتمنح مؤسسات الدولة الاستقلال الذى تستحقه، وما بين حرص القيادة السياسية، وجدية الهيئة الوطنية، وجهود وزارة الداخلية، تظل مصر قادرة على خوض استحقاقاتها الانتخابية بثقة وقوة.