كتب : ادم خضــــر
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتضيع الملامح الحقيقية للكتابة تظهر دينا السقا كصوت أدبي يعرف جيدًا كيف يشق طريقه بثقة وهدوء دون ضوضاء مفتعلة أو حضور مصطنع. كتابتها تشبهها تمامًا صادقة مرهفة تنحت من التفاصيل الصغيرة عوالم قادرة على أن تبقى في الذاكرة زمنًا أطول مما تظنه هي نفسها.
من «فتاة الفانيليا » إلى «قصبة رضوان» ثم عملها الجديد «شاهد قبل الحذف» تتشكل ملامح مشروع روائي يتطور بثبات ويكشف عن كاتبة تزداد قوة كلما تعمقت في بناء شخصياتها وامتلاك أدواتها. السقا لا تكتب لتملأ رفوف المكتبات بل لتقيم علاقة حقيقية مع قارئ يعرف أنه أمام صوت يكتب لأنه يحب الكتابة أولًا ولأن لديه ما يقوله ثانيًا.
في رواياتها ثمة شيء خفي يشبه الضوء حضور إنساني دافئ لغة مشغولة بعناية حساسية عالية تجاه النفس البشرية وجرأة في الاقتراب من المناطق التي يخشاها الكثيرون. إنها لا تطارد الصدمة بل تطارد الحقيقة وتعرف أن الحقيقة نفسها قد تكون صادمة من دون أن تستعين بأي مبالغة.
وليس غريبًا أن تمتد موهبتها إلى السينما في تجربتها مع فيلم «النهارده يوم جميل» إذ بدت كتابة السيناريو امتدادًا طبيعيًا لعينها اليقظة على التفاصيل ولقدرتها على التقاط نبض المشاعر الإنسانية المعقدة.
دينا السقا في كل ما تقدمه تمثل جوهر الكاتب الحقيقي ذلك الذي لا ينشغل بالأضواء بقدر انشغاله بالنص ولا يلهث وراء صخب اللحظة بقدر سعيه نحو بناء عالم مكتمل يستحق أن يقرأ. هي كاتبة تشبه صفحة الماء هادئة في ظاهرها عميقة في داخلها وكل من يقترب منها يكتشف ما هو أكبر بكثير مما يظهر على السطح.
إن كان في المشهد الأدبي اليوم أصوات قادرة على تمثيل جيل يكتب بوعي وإتقان وشغف فإن دينا السقا تأتي ضمن هذه الأصوات بلا تردد. تكتب لأنها تعرف أن الكتابة ليست مهنة بل فعل وجود ولأن الرواية ليست حكاية تروى فقط بل روح تسكب على الورق.