لا أخفيك سرا… منذ بدأت أتابع ما يجرى فى كواليس انتخابات مجلس النواب 2025 وأنا أشعر بأننا لسنا أمام عملية انتخابية طبيعية، بل أمام صراع صامت يتصاعد يوما بعد يوم، حتى أصبح الحديث بين القضاة أنفسهم – ممن كانوا دائما خط الدفاع الأخير عن نزاهة الصندوق – يدور حول سؤال واحد، هل يجب إلغاء المرحلة الأولى؟
هذا السؤال لم يعد همسا فى المكاتب المغلقة… بل أصبح مادة يتداولها الرأى العام، وتصلنا نحن الصحفيين من مصادر متطابقة داخل أكثر من هيئة قضائية، وهنا – وبشكل شخصى – بدأت أشعر أن ما يجرى أكبر بكثير من مجرد أخطاء إجرائية، وأننا قد نكون على أبواب أزمة سياسية حقيقية إذا لم يتدارك الأمر.
المتابع الجيد للمشهد يدرك أن الأزمة الحالية ليست كالأزمات السابقة، هناك قضاة يرفضون علنا تحميلهم مسئولية ما وصفوه بـالتدخلات، وهناك من يرى أن الإعلان عن نتائج المرحلة الأولى – رغم الطعون واللغط – وضعهم فى مواجهة الرأى العام.
وفى أحاديث شخصية جمعتنى خلال الأيام الماضية ببعض من يعملون داخل المنظومة، شعرت أن الغضب هذه المرة ليس غضبا مؤسسيا، بل غضب أفراد يشعرون أن اسمهم ومكانتهم المهنية يستخدمان كغطاء لقرارات ليست من صنعهم.
نحن الآن على بعد ساعات من انطلاق التصويت فى المرحلة الثانية بالداخل، ومع ذلك، لا نقف أمام حملات المرشحين أو دوافع الناخبين، بل نقف أمام سؤال أكثر خطورة، كيف يمكن أن تجرى دولة مرحلة ثانية بينما يطالب جزء كبير من المجتمع بإلغاء المرحلة الأولى؟
هذا التناقض وحده كفيل بأن يهز ثقة أى مواطن فى العملية الانتخابية، وأقولها بصورة شخصية وصريحة، لا أظن أن هناك صحفيا واحدا يتابع المشهد من قرب إلا ويشعر بالقلق، نحن لم نعد نكتب تحليلات بعيدة، بل نعيش الحدث ونتنفس تفاصيله.
عندما تتعدد المسؤوليات، تضيع الحقيقة، ويصبح أسهل تبرير، خطأ فردى، أو سوء فهم، لكننى أعتقد أن المسؤولية مشتركة بين جهات إدارية لم تلتزم بالحياد المتوقع منها، وجهات سياسية تضغط فى اتجاه واحد، وهيئات قضائية وجدت نفسها فى قلب العاصفة بلا أدوات كافية للدفاع عن سمعتها، ولأننى شاهدت انتخابات مصرية كثيرة، لم أر حالة توتر داخلى بهذا الحجم منذ 2010،وهو تشبيه لا أستخدمه بخفة.
لا أكتب هذا المقال دعوة للمقاطعة، ولا دعوة للمشاركة، أكتب لأن ضميرى الصحفى يفرض على أن أقول الحقيقة كما أراها، لا كما يريد البعض أن تروى.
انتخابات المرحلة الثانية تنطلق غدا فى ظل أزمة مكتومة، خلافا لما يظهر فى البيانات الرسمية، وأخشى ما أخشاه أن نصل إلى لحظة نكتشف فيها أن كل هذا الجدل كان يمكن تجنبه بقرار واضح وصريح، إعادة المرحلة الأولى وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة العملية الانتخابية.
ورغم وضوح الرسائل التى وجهها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى حول ضرورة النزاهة والشفافية، يبدو أن الهيئة الوطنية للانتخابات لم تفهمها أو لم تطبقها على أرض الواقع، فما يحدث اليوم ليس مجرد تصويت عابر، بل مرحلة ثانية تجرى فوق أساس مهزوز، وصناديق تفتح بينما ثقة المواطن تتآكل، والأخطاء فى المرحلة الأولى لم تصحح، إذا استمر هذا الصمت والعمل بلا تصحيح، فقد نجد أنفسنا أمام خطر حقيقي على شرعية العملية الانتخابية بأكملها، وهو ما يفرض على الجميع، من مؤسسات وإدارة، إعادة ضبط المشهد قبل فوات الأوان.