عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة فارقة تعكس جدية الدولة في حماية المرضى الأكثر احتياجًا، ترأس الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، اجتماع مجلس إدارة صندوق مواجهة الطوارئ الطبية والأمراض الوراثية والنادرة، في جلسة امتزج فيها الحس الوطني بالدقة العلمية، وبرز خلالها التزام واضح بإعادة صياغة منظومة الرعاية الصحية للمصابين بأمراض تستنزف الأسر ماديًا ونفسيًا. اجتماع ضم قيادات رفيعة وخبراء مختصين، في خطوة تحمل رسائل طمأنة لكل من ينتظر علاجًا أو أملًا أو قرارًا يُنهي معاناته المزمنة.

جاء الاجتماع ليُجدد التأكيد على دور الصندوق في دعم منظومة الرعاية الطبية خلال مرحلة تتطلب سرعة الاستجابة ومرونة التخطيط. وقد بدأ النقاش بالتصديق على محضر اجتماع مايو 2025، وهو ما يعكس انتظام العمل المؤسسي ومتابعة تنفيذ القرارات السابقة. وفي هذا السياق، أبرزت المناقشات أهمية التوسع في الخدمات التي يقدمها الصندوق، ليس فقط في تمويل الحالات الحرجة، بل في بناء آليات مستدامة تضمن حماية المرضى من أي مخاطر صحية مفاجئة، إلى جانب تعزيز الشفافية وضبط المصروفات بما يخدم أهداف الصندوق طويلة المدى.
وخصصت مساحة واسعة لمتابعة عمل اللجنة العلمية للأمراض الوراثية والنادرة برئاسة الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة، والتي تجري دراسات شاملة تستند إلى المعايير الطبية العالمية. هذه اللجنة تُعد ركيزة أساسية في رسم خريطة دقيقة للأمراض النادرة في مصر، وتحديد أولويات التمويل العلاجي وفق أدلة وبراهين علمية. وجرى خلال الاجتماع استعراض المستجدات في هذا الملف، حيث تسهم تلك الدراسات في سد فجوة معرفية طال انتظار التعامل معها بجدية، بما يضمن توجيه الموارد للفئات الأكثر احتياجًا.
ومن الملفات التي حظيت باهتمام كبير توفير أجهزة استشعار السكر غير الاختراقية لأطفال السكري من النوع الأول، بواقع 75 ألف جهاز خلال السنة الأولى. هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في جودة الرعاية المقدمة للأطفال، إذ تسهم في متابعة مستويات السكر دون الحاجة للوخز المتكرر، ما يقلل الألم ويزيد من دقة التشخيص. ويأتي هذا التوجه انعكاسًا لسياسة الدولة في دمج التكنولوجيا الطبية الحديثة ضمن منظومة المتابعة المستمرة، بما يضمن نتائج علاجية أفضل ويحقق راحة نفسية للأسر.

كما ناقش الاجتماع إجراءات توقيع بروتوكول التعاون مع شركة «بنوك مصر للتقدم التكنولوجي» التابعة للبنك المركزي لتفعيل التبرع عبر تطبيق «إنستاباي»، وهو ما يعكس رؤية متطورة لخلق مصادر تمويل مبتكرة ومستدامة، تُسهِم في دعم قوائم الانتظار وتخفيف الأعباء المالية على الدولة. وتم خلال الجلسة استعراض إجمالي المصروفات الموجهة لذلك، مع مناقشة كيفية تعزيز مشاركة المجتمع في دعم المرضى عبر أدوات مالية رقمية سريعة وآمنة.
وتناول الاجتماع كذلك دراسة مساهمة الصندوق في تمويل علاج المرضى المصابين بأمراض وراثية ونادرة الحاصلين على أحكام قضائية، بالتنسيق مع اللجنة العلمية لاعتماد القائمة النهائية للأمراض. هذه المبادرة تؤكد حرص الدولة على ضمان وصول العلاج لكل من يستحقه دون تأخير. كما جرى بحث آليات تحصيل مستحقات الصندوق من شركات مستحضرات التجميل المستوردة غير المسددة، تطبيقًا للقانون وبما يضمن توفير موارد مالية إضافية تُستخدم في علاج الحالات الأكثر تعقيدًا وكلفة.

وقد شهد الاجتماع حضور نخبة من أكبر القيادات والخبراء الطبيين والماليين في الدولة، ما يعكس حجم الملفات المطروحة وأهميتها. شارك في الجلسة: الدكتور هشام ستيت رئيس الهيئة المصرية للشراء الموحد، والدكتور أحمد مصطفى رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، والدكتور إبراهيم عبدالعاطي المدير التنفيذي للصندوق، والمستشار محمد المنشاوي المستشار القانوني للوزير، والدكتور عمر شريف عمر أمين عام المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية، والدكتور تامر الحسيني نائب رئيس هيئة الدواء المصرية، والسيد عمرو عبدالفتاح رئيس الإدارة المركزية لموازنة الصحة بوزارة المالية، واللواء طبيب محمد سعد حجازي مدير إدارة الخدمات الطبية للقوات المسلحة، والدكتور سيف الإسلام خبير تكاليف القطاع الصحي بجامعة القاهرة، والدكتورة أمال إمام المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر المصري، والدكتور محمد العقاد رئيس المجالس الطبية المتخصصة، والدكتور جمال رطبة مدير عام الشئون المالية بالهيئة العامة للرعاية الصحية، والدكتور عبدالله جمعة مدير عام الإدارة العامة لعلاج المواطنين وشئون السفر بالوزارة.
وجود هذه الأسماء في اجتماع واحد يعكس حجم التكاتف المؤسسي ويؤشر إلى مرحلة جديدة من التنسيق بين مختلف الجهات لتحقيق أقصى استفادة للمواطن.
يُظهر هذا الاجتماع أن الدولة تتحرك بخطوات ثابتة نحو بناء منظومة صحية تستند إلى العلم والحوكمة والتكنولوجيا الحديثة، وتضع المرضى أصحاب الأمراض النادرة والطارئة في قلب الأولويات. ومع تكاتف الخبراء والجهات المختلفة، يبدو أن الصندوق يسير في اتجاه يجعل الرعاية الصحية أكثر عدلًا وكفاءة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية. وبين كل قرار وتوصية.. يبرز الأمل في توفير علاج وإنقاذ حياة وتحسين جودة واقع ملايين المواطنين.