وسط هدير المدافع الذي لا ينقطع، وتحت وطأة سنوات من الحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي والجغرافي السياسي لأوروبا، تطفو على السطح محاولات سلام تبدو كسفينة تتقاذفها أمواج مصالح متضاربة. إنها ليست مجرد محادثات، بل حرب أخرى تدور في القصور والدهاليز الدبلوماسية، حيث تُرسم حدود المستقبل على طاولات المفاوضات، بينما تُرسم حدود الحاضر على الأرض بالدم والحديد. في هذه اللحظة التاريخية، يقف العالم على حافة منعطف، يشهد صراعاً بين منطق القوة الغاشمة التي تفرض وقائعاً جديدة، وإرادة شعب يرفض أن يكون ضحية على مذبح التوسع الإمبريالي. ها هو مستقبل أوكرانيا، وربما استقرار النظام الدولي بأسره، معلقاً على خيط رفيع، تُحاول أمريكا قطعه، وتصر روسيا على شده، بينما تختنق أوكرانيا في المنتصف.
اللقاء في الكرملين: ضيافة فاخرة ونتائج مجهضة
في مشهد يجمع بين البذخ الدبلوماسي والجمود السياسي، استقبل الكرملين المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر. لم تكن الزيارة اعتيادية؛ فقد شملت موكب سيارات من المطار، وغداءً فاخراً في مطعم حائز على نجمة ميشلان حيث تناولا الكافيار ولفحم الغزال، ونزهة في الساحة الحمراء. ولكن وراء هذا الاستقبال الملكي، كانت النتيجة باردة ومحبطة. بعد خمس ساعات من المحادثات المباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين، خرج مساعده يوري أوشاكوف ليعلن أن الاجتماع كان “مفيداً وبنائياً”، لكنه لم يُسفر عن أي تقدم ملموس نحو اتفاق سلام. السؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت هذه الزيارة سعياً حقيقياً للسلام، أم مجرد عرض مسرحي دبلوماسي؟.
شروط بوتين الحديدية: الانسحاب أو الطرد
يضع الرئيس الروسي شروطاً للسلام لا تترك مجالاً للالتباس، وهي شروط تكرس منطق المنتصر. فقد أعلن بوتين أن موسكو مستعدة لوقف القتال فوراً، ولكن بشرط واحد: انسحاب القوات الأوكرانية كلياً من جميع الأراضي التي تطالب بها روسيا، وهي المناطق الأربع “دونيتسك، لوغانسك، خيرسون، زابوروجيا” بالإضافة إلى القرم. ووضع خياراً وحيداً لمن يرفض: “إذا لم تغادر “القوات الأوكرانية”، سنطردها بالقوة العسكرية”. هذا الموقف لا يعترف بحديث عن سيادة أوكرانية على هذه المناطق، بل يتعامل معها كأراضٍ روسية محتلة مؤقتاً، مما يجعل أي مفاوضات على هذه النقطة أشبه بمحادثة بين طرفين لا يتقاسمان حتى اللغة نفسها. إنه إملاء للشروط من موقع القوة، ورفض صريح لأي حل وسط.
المعضلة الأوكرانية: بين الدستور والواقع العسكري
في مواجهة هذا الإنذار الروسي، يقف الموقف الأوكراني على أساس دستوري صلب لكنه يواجه ضغوطاً واقعية قاسية. كبير مفاوضي كييف، أندريه يرماك، يؤكد بقوة: “طالما بقي فولوديمير زيلينسكي رئيساً للبلاد، فلن يوافق على التنازل عن الأراضي مقابل السلام”. ويضيف أن الدستور الأوكراني يحظر ذلك، وأن أي توقيع على مثل هذه الوثيقة سيكون خيانة للشعب. ومع ذلك، يبدو أن هناك هامشاً صغيراً للمناورة، حيث أشار يرماك إلى استعداد أوكرانيا لمناقشة “تحديد خط التماس” الحالي على الأرض كحقيقة واقعية. هذا التناقض بين المبدأ الثابت والمرونة التكتيكية يعكس المأزق الأوكراني العميق: كيف تدافع عن وحدة أراضيها وهي تواجه قوة عسكرية متفوقة، وتشهد تذبذباً في الدعم الغربي؟
الخطة الأمريكية: جسر هش بين نارين
تحاول الإدارة الأمريكية، عبر مبعوثيها، التوسط باقتراح خطة سلام. كانت المسودة الأولى، المكونة من 28 نقطة، تلقائية بشكل صادم للموقف الأوكراني، حيث تضمنت الاعتراف بالسيطرة الروسية على مناطق شاسعة. بعد احتجاجات أوكرانية وأوروبية، عُدّلت الخطة في جنيف لجعلها أكثر قبولاً لكييف. لكن هذه التعديلات هي بالضبط ما يرفضه الكرملين. اتهم بوتين القادة الأوروبيين بعرقلة المسار بوضع “مطالب غير مقبولة إطلاقاً” على النسخة المعدلة. وهكذا، تحولت الخطة الأمريكية إلى سيف ذي حدين: فبينما تريد واشنطن إنجاز صفقة تاريخية، تجد نفسها عالقة بين رفض أوكراني للاستسلام، ورفض روسي لأي تراجع عن المكاسب الإقليمية.
أوروبا والناتو: حلفاء في حيرة من أمرهم
أظهرت التطورات الأخيرة ارتباكاً واضحاً في الموقف الأوروبي وحلف الناتو. فمن ناحية، يصر الاتحاد الأوروبي رسمياً على رفض أي تنازلات إقليمية لروسيا. ومن ناحية أخرى، تساءلت صحيفة “بوليتيكو” عن كيفية تفاعل الناتو مع روسيا بعد أي اتفاق سلام محتمل، وما إذا كان يجب إحياء مجلس روسيا-الناتو الذي جُمّد منذ 2022. هذا التردد ينبع من مخاوف استراتيجية عميقة: هل سيوقف السلام العدوان الروسي أم سيشجعه؟ وكيف يمكن ضمان أمن أوكرانيا وأوروبا الشرقية إذا تكرس مبدأ ضم الأراضي بالقوة؟ إنها أسئلة تضع الحلفاء الأوروبيين والأمريكيين في مأزق بين الرغبة في إنهاء الحرب، والخوف من مكافأة العدوان.
حرب السرديات: السلام أم الاستسلام؟
يتجاوز الصراع في أوكرانيا ساحات القتال ليصبح معركة سرديات كبرى. يصور بوتين الحرب على أنها حركة تحرير من هيمنة الغرب وحرباً ضد “النظام الطفيلي الاستعماري الجديد”. وفي المقابل، يرى الناشط الحقوقي نبيل أبوالياسين وغيره أن سياسة بوتين هي استراتيجية إمبريالية واضحة، حيث “يهاجم المدنيين عندما تصبح الأمور صعبة”، مستخدماً ما وصفه بـ”سياسة الأرض المحروقة”. هذه الحرب الإعلامية والأخلاقية تعقّد أي حل دبلوماسي، حيث يصبح السلام في عيون طرف ما، استسلاماً ومكافأة للعدوان في عيون الطرف الآخر. إنها معركة لتحديد معنى الحرب نفسها، ومن يملك الحق والشرعية في رسم نهايتها.
خرائط من الدم لن ترسم مستقبلاً آمناً
وختامًا: ها هي الحقيقة المرة تطفو على السطح: قد تنتصر الدبابات على الأرض، وقد تفرض خرائط جديدة، ولكن السلام الحقيقي لا يُبنى على أنقاض المدن وأشلاء المدنيين. روسيا تنتصر عسكرياً وتصر على تحديد شروط السلام من موقع القوة، لكن هذا “الانتصار” يزرع بذور صراع أبدي. أوكرانيا ترفض الاستسلام وتتشبث بكرامتها وسيادتها، لكنها تدفع ثمناً بشرياً فادحاً. والغرب، منقسم بين الرغبة في إنهاء المعاناة والخوف من تسويغ العدوان. في النهاية، التاريخ يعلمنا أن السلام المُفروض بقوة السلاح هو هدنة مؤقتة، وليس سلاماً دائماً. إن الخرائط التي تُرسم اليوم بدماء الأوكرانيين، لن تكون سوى صفحات مؤلمة في كتاب الصراعات المستقبلية. السؤال الذي يواجه الضمير العالمي ليس فقط كيف نوقف هذه الحرب، بل أي نوع من السلام نريد: هل هو سلام يُكرس حق القوي في ابتلاع الضعيف، أم سلام يُؤسس لعدالة تحترم سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها؟ الجواب على هذا السؤال سيحدد ليس فقط مصير أوكرانيا، بل مصير المبدأ الذي سيسود في العلاقات الدولية لعقود قادمة: هل سيكون منطق الغاب، أم سيادة القانون؟ الوقت يمضي، والشعب الأوكراني ينتظر، والعالم يشاهد.