عندما تستخدم الأزمات كفرص، وتلطخ الإجراءات الأمنية ببصمات عنصرية، يصبح تحذير الدول بمثابة نداء أخير لضمير عالمي قد يكون نائماً. صوت مصري واحد يرتفع ليقول: “كفى”.
في مشهد يذكر العالم بممارسات تاريخية مروعة، جاءت تصريحات وزيرة الأمن الداخلي الأمريكي كريستي نويم لتؤكد نية إدارة ترامب المعلنة بتوسيع حظر السفر ليشمل أكثر من 30 دولة. لم تكن مجرد إجراءات أمنية، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة سياسات وصفتها منظمات حقوقية بأنها “تعسفية وتمييزية، مدفوعة بعداء” واضح. هذه السياسات، التي جُمدت بموجبها معالجة الهجرة لمواطني 19 دولة، لم تجد ما يربط بين هذه الدول سوى رائحة واضحة من العنصرية وكراهية الإسلام. لكن رائحة العنصرية لم تتوقف عند حدود الولايات المتحدة، بل عبرت المحيط لتتمازج مع سياسات إسرائيلية تُمارس في الضفة وغزة. وفي الوقت الذي يُعلن فيه الرئيس ترامب أنه “سيوقف الهجرة بشكل دائم من جميع دول العالم الثالث”، أعلن الوزير الإسرائيلي بن غفير بشكل صارخ عن نيته في تهجير الفلسطينيين، ليصبح هذا التهديد الخيط الواصل بين السياسات الظاهرة في الشرق والغرب.
تحذير مصري صارم: التهجير خط أحمر لا يمكن تجاوزه
في موقف ثابت، أكدت مصر بشكل قاطع رفضها لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم. جاء ذلك بعد ساعات فقط من إعلان الحكومة الإسرائيلية نيتها فتح معبر رفح خلال الأيام المقبلة لخروج سكان غزة إلى مصر فقط. ووصف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان هذه المحاولات بأنها “مناورات إسرائيلية تهدف إلى الضغط أو تشويه الموقف المصري”. تصر مصر على أن معبر رفح يجب أن يفتح من الجانبين، وفقاً للبند 12 من خطة السلام الأمريكية المعروفة بخطة ترامب، والذي يمنع إجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم. أي محاولة لفتحه باتجاه واحد ستكون مخالفة صريحة للاتفاقات وتكرس عملية التهجير. بل وذهبت مصر إلى ما هو أبعد من ذلك، محذرة من خطورة السياسات الإسرائيلية القائمة على أوهام “إسرائيل الكبرى”، مؤكدة أنها “أمر لا يمكن القبول به أو السماح بحدوثه”.
غزة تحت المجاعة والحصار: صمود شعب ومساعدات تحت الحصار
تعيش غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث أعلنت الأمم المتحدة رسمياً عن حالة المجاعة فيها للمرة الأولى في الشرق الأوسط. وسط هذه المعاناة، تكثف مصر جهودها لإدخال المساعدات، حيث أشار وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى أن مصر ساهمت بـ70% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي دخلت إلى قطاع غزة منذ بداية الأزمة. ورغم هذه الجهود، تواجه المساعدات العراقيل الإسرائيلية المتعمدة. ففي مشهد يلامس حدود الإنسانية، أفادت تقارير بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي أتلف عشرات الآلاف من الأطنان من المواد الغذائية والطبية المخصصة لغزة، في وقت يتضور القطاع جوعاً. كما تسيطر إسرائيل منذ مايو 2024 على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، مما أدى إلى توقف دخول المساعدات عبر هذا المنفذ الحيوي وزاد من اعتماد القطاع على عمليات الإسقاط الجوي ومعبر كرم أبو سالم.
انتهاكات ممنهجة: من استهداف طالبي المساعدات إلى الاعتداء على الأسرى
لا تقتصر الانتهاكات على الحصار والتجويع، بل تتعداها إلى أبشع الممارسات. كشف تحقيق لشبكة CNN عن مصير مأساوي لعشرات الفلسطينيين الذين اختفوا بالقرب من معبر زيكيم أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية لأسرهم. تروي التحقيقات أن جيش الاحتلال جرف جثامين بعض الشهداء ودفنها في قبور مجهولة، وتركت رفات أخرى لتتحلل في العراء. وفي سجون الاحتلال، تستمر الانتهاكات بشكل ممنهج. تلقت عائلة القائد الأسير مروان البرغوثي اتصالاً هاتفياً من شخص ادعى أنه أسير محرر نقل روايات مرعبة عن تعرض البرغوثي لتعذيب وحشي، كسرت خلاله أسنانه وأضلاعه، وقطعت أجزاء من أذنه. وقد حذرت الرئاسة الفلسطينية من أن هذه الممارسات “تشكل جريمة حرب مكتملة الأركان”.
الاستهداف المزدوج: عنصرية بعبق أمريكي وروائح تكبر بالشرق
تشترك سياسات إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية في نَفَس واحد من الاستهداف والتمييز. فبينما توقف الولايات المتحدة معالجة الهجرة لمواطني 19 دولة معظمها إسلامية، تتصاعد في إسرائيل سياسات وممارسات عنصرية تذكر العالم بأحلك فصول التاريخ. إحدى الفضائح العنصرية التي أثيرت قديماً في إسرائيل كشفت عن إجبار عمال عرب على وضع خوذات عليها علامات حمراء لتسهيل مراقبتهم أو حتى استهدافهم، وهو ما أشبه بالشارات التي فرضها النازيون على اليهود.
هذا التوازي في السياسات لا يبدو صدفة، فهو يعكس تحالفاً أيديولوجياً يعتمد على صناعة عدو مشترك وإقصاء الآخر المختلف دينياً أو عرقياً. وقد ظهر هذا التحالف جلياً في دعم الإدارة الأمريكية لرفض المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية المزعومة، حتى أنها فرضت عقوبات على مسؤولي المحكمة الدولية، وهو ما وصفته المحكمة نفسها بأنه “هجوم صارخ على استقلالها”.
معركة الإنسانية بين المطرقة والسندان
لقد تحولت معركة غزة من صراع سياسي إلى اختبار حقيقي لضمير البشرية. بين مطرقة سياسات التهجير والعنصرية المنظمة، وسندان صمود شعب يرفض الرحيل عن أرضه، يقف العالم متفرجاً في أغلب الأحيان. التحذير المصري لم يأتِ من فراغ، فهو يعبر عن قلق أمة بأكملها من مخطط يهدد ليس فقط الفلسطينيين، بل استقرار المنطقة بأكملها.
عندما تُحاصر المساعدات وتُدمر، وعندما تُستهدف حتى جثامين الشهداء، وعندما يُعلن عن نية تهجير شعب بكامله، فإننا لا نواجه انتهاكاً للقانون الدولي فحسب، بل هجوماً صريحاً على القيم الإنسانية الأساسية. الموقف المصري، المدعوم من ثماني دول عربية وإسلامية، يضع العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف مع الحق والعدالة، وإما أن يتحول صمته إلى تواطؤ.
إن تحذير القاهرة لإسرائيل ليس مجرد بيان دبلوماسي، إنه صرخة في وجه نظام عالمي فاشل، ورسالة إلى الفلسطينيين بأنهم ليسوا وحدهم. في النهاية، التاريخ لن يتذكر أولئك الذين صمتوا، بل سيتذكر الشعوب التي وقفت صامدة، والدول التي رفعت صوتها عندما خرس الآخرون. الخط الأحمر الذي رسمته مصر ليس على الخريطة، بل في الضمير. ومن يتجاوزه، فإنه لا يتجاوز حدوداً سياسية، بل يتجاوز كل ما هو إنساني.