عبدالرحيم عبدالباري
في زمنٍ تتصاعد فيه التحديات الصحية المرتبطة بنمط الحياة، ويظل التدخين أحد أخطر أبواب الأمراض المزمنة، جاءت مبادرة «صحة الرئة والإقلاع عن التدخين» كرسالة أمل حقيقية تترجم رؤية الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان قبل المرض. مبادرة لم تكتفِ بالشعارات، بل دخلت إلى عمق المحافظات، وفتحت عياداتها لكل من يبحث عن فرصة جديدة للتنفس دون قيد الدخان. أكثر من 60 ألف مواطن مرّوا بهذه التجربة منذ نوفمبر 2022، لتتحول المبادرة إلى رقم صعب في معادلة الصحة العامة، ونقطة تحوّل حقيقية في مواجهة أمراض الصدر والإدمان على التبغ.
منذ انطلاقها في نوفمبر 2022، رسمت مبادرة صحة الرئة والإقلاع عن التدخين مسارًا مختلفًا للتعامل مع أمراض الصدر في مصر، حيث لم تكتفِ بالعلاج التقليدي، بل وسّعت مفهوم الرعاية ليشمل الوقاية والدعم النفسي والمتابعة طويلة الأمد. انتشار 32 عيادة متخصصة على مستوى محافظات الجمهورية يعكس رؤية واضحة للوصول إلى المواطن في موقعه الجغرافي دون عناء، وهو ما ساهم في جذب أكثر من 60 ألفًا و41 مواطنًا للاستفادة من الخدمات المقدمة. هذا الانتشار لم يكن كمّيًا فقط، بل اعتمد على تجهيزات طبية حديثة، وفرق طبية مدرّبة، ونظم متابعة دقيقة، بما يضمن تقديم خدمة متكاملة تتجاوز حدود الكشف إلى بناء وعي صحي طويل الأمد.
الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة تكشف عن صورة واقعية لتحديات التدخين في المجتمع، حيث أوضح الدكتور وجدي أمين، مدير إدارة الأمراض الصدرية، أن نسبة المدخنين بين المترددين على العيادات بلغت 56% مقابل 44% من غير المدخنين. هذا التفاوت يعكس حجم الخطر الحقيقي الذي يشكّله التدخين على الصحة العامة، كما يسلّط الضوء على الفئة الأكثر احتياجًا للتدخل العلاجي والتوعوي. الأكثر خطورة أن نسب المدخنين ترتفع بشكل ملحوظ بين مرضى السدة الرئوية والربو الشعبي، وهو ما يثبت علميًا أن التدخين لا يفاقم المرض فقط، بل يحوّله إلى أزمة مزمنة تهدد حياة المريض وتستنزف قدرته على العيش بصورة طبيعية.
لم تتعامل مبادرة صحة الرئة مع الإقلاع عن التدخين باعتباره قرارًا لحظيًا، بل تعاملت معه كرحلة علاجية متكاملة تحتاج إلى دعم نفسي وطبي وسلوكي مستمر. إذ توفّر عيادات المبادرة خدمات المشورة الفردية، وجلسات الدعم النفسي، وبرامج المتابعة المنتظمة، إلى جانب وصف الأدوية المناسبة للحالات التي تستدعي تدخلًا دوائيًا. هذا الجمع بين العلاج النفسي والدوائي يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة إدمان النيكوتين، باعتباره اعتمادًا جسديًا ونفسيًا معًا، لا يمكن كسره بنصيحة عابرة أو تحذير تقليدي. وبهذا الأسلوب العلمي، أصبحت المبادرة نموذجًا متقدمًا في علاج الإدمان الصحي بعيدًا عن الوصم أو الترهيب.
أحد أهم مكاسب المبادرة هو نقل ملف صحة الرئة من كونه شأنًا علاجيًا محدود التأثير إلى قضية صحة عامة ذات أبعاد مجتمعية. فالمبادرة لا تخاطب المدخنين فقط، بل توجّه رسائل توعوية للأسر، والشباب، وربات البيوت، والطلاب، حول مخاطر التدخين السلبي، وأثره على الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والصدر. هذه الرسائل يتم تمريرها عبر العيادات، والأنشطة التوعوية، ووسائل الإعلام المختلفة، في محاولة لصناعة وعي مجتمعي متكامل يحاصر التدخين من كل الاتجاهات. فالمعركة لم تعد بين الطبيب والمريض فقط، بل بين المجتمع وسلوك ضار استنزف صحته واقتصاده لسنوات طويلة.
البعد الاقتصادي للمبادرة لا يقل أهمية عن بعدها الصحي، فالتدخين لا يكلّف المدخن صحته فقط، بل يكلّف الدولة مليارات الجنيهات سنويًا في علاج الأمراض المرتبطة به، مثل السرطان، والسدة الرئوية، وأمراض القلب والشرايين. ومن هنا، تمثل مبادرة صحة الرئة استثمارًا وقائيًا ذكيًا يقلّل من أعباء العلاج مستقبلاً، ويخفف الضغط على المستشفيات وأقسام الطوارئ. كما تسهم في رفع كفاءة القوى العاملة، لأن المواطن السليم أكثر قدرة على الإنتاج والعطاء. بهذا المعنى، تتحول المبادرة من مجرد برنامج صحي إلى رافعة اقتصادية غير مباشرة تدعم استقرار المجتمع ونموه.
اللافت في تجربة مبادرة صحة الرئة هو قدرتها على بناء ثقة حقيقية بين المواطن والمنظومة الصحية، بعدما لمس المترددون على العيادات جدية الخدمة، وسلاسة الإجراءات، واحترام الخصوصية، والمتابعة الدقيقة. هذه الثقة هي العملة الأهم في أي مشروع صحي ناجح، لأنها تشجع المواطن على المبادرة بالعلاج بدلًا من التأجيل أو اللجوء إلى حلول غير آمنة. كما أن المبادرة فتحت الباب أمام تطوير بروتوكولات علاجية موحّدة، وتدريب كوادر جديدة في مجال أمراض الصدر والإقلاع عن التدخين، ما يعني أن أثرها لن يتوقف عند حدود الأرقام الحالية، بل سيمتد إلى بناء منظومة علمية مستدامة.
تؤكد مبادرة صحة الرئة والإقلاع عن التدخين أن الدولة المصرية تسير بخطى ثابتة في معركتها ضد الأمراض المزمنة وسلوكيات الخطر، واضعةً الإنسان في قلب معادلة التنمية. أكثر من 60 ألف مواطن استعادوا الأمل في تنفسٍ أنقى، وحياة أقل ألمًا، ومستقبلٍ أكثر أمانًا. ومع استمرار التوسع في العيادات والخدمات، تصبح المبادرة ليست مجرد برنامج صحي عابر، بل مشروعًا وطنيًا لحماية الرئة المصرية من الدخان، وصناعة جيلٍ قادر على استنشاق الحياة دون قيود. وإذا كان الإقلاع قرارًا فرديًا، فإن دعمه وتحويله إلى ثقافة مسؤولية وطنية تشارك فيها الدولة والمجتمع معًا.