عبدالرحيم عبدالباري
في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه المخاطر، لم تعد الجاهزية خيارًا مؤجلًا، بل أصبحت ضرورة وجودية لا تقبل التسويف. ومن هذا المنطلق، تواصل الدولة المصرية، عبر وزارة الصحة والسكان، تعزيز قدرات المنظومة الصحية لمواجهة أسوأ السيناريوهات قبل وقوعها. وفي خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، أعلنت الوزارة تنفيذ برنامج تدريب مدربين (TOT) في مجال إدارة الإصابات الجماعية، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ليكون بمثابة مصنع وطني لإنتاج الكفاءات القادرة على قيادة فرق الطوارئ في أصعب اللحظات، وتحويل الفوضى المحتملة إلى استجابة منظمة تنقذ الأرواح وتقلل الخسائر.

يأتي تنفيذ برنامج تدريب المدربين في التعامل الأمثل مع الإصابات الجماعية ضمن رؤية شاملة لإعادة تشكيل منظومة الطوارئ الصحية في مصر على أسس علمية حديثة، تواكب المعايير الدولية المعتمدة. وقد تم تنظيم البرنامج بالتعاون الوثيق بين الإدارة المركزية للطوارئ والرعاية العاجلة بوزارة الصحة، وإدارة الأزمات بمنظمة الصحة العالمية، ليحمل طابعًا دوليًا من حيث المحتوى، ومصريًا من حيث التطبيق والواقع الميداني. اختيار مستشفى الشيخ زايد التخصصي لاستضافة هذا الحدث لم يكن محض صدفة، بل نتيجة جاهزية البنية التحتية، والخبرة المتراكمة في إدارة الحالات الحرجة، وهو ما يعكس توجه الدولة لربط التدريب المتقدم ببيئات عمل حقيقية قادرة على استيعاب أحدث أساليب المحاكاة والتدخل الطبي الطارئ.
وأكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن برنامج التدريب يأتي في قلب خطة الدولة لرفع جاهزية المنظومة الصحية لمواجهة مختلف الأزمات والطوارئ، سواء كانت حوادث جماعية أو كوارث طبيعية أو أوبئة مفاجئة. وأوضح أن استضافة مستشفى الشيخ زايد التخصصي – التابع لأمانة المراكز الطبية المتخصصة – لفعاليات البرنامج، برعاية منظمة الصحة العالمية، يعكس ثقة المؤسسات الدولية في قدرة مصر على تنفيذ برامج تدريبية عالية المستوى. كما أشار إلى أن الاستثمار الحقيقي لا يتمثل فقط في الأجهزة أو المباني، بل في إعداد العنصر البشري القادر على اتخاذ القرار الصحيح تحت ضغط الوقت، وهو ما يسعى إليه هذا البرنامج بدقة واحترافية.
من جانبها، شددت الدكتورة مها إبراهيم، رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، على أن البرنامج لا يستهدف تدريب مجموعة محدودة من الأطباء فحسب، بل يهدف إلى بناء قاعدة وطنية عريضة من المدربين المعتمدين القادرين على نقل الخبرة وتعميم التدريب على مستوى الجمهورية. وأوضحت أن هذا التوجه يضمن استدامة المعرفة وعدم احتكارها داخل نطاق جغرافي ضيق، كما يعزز قدرة مستشفيات الأمانة على الاستجابة السريعة والمهنية لأي طارئ صحي، مهما كان حجمه أو تعقيده. وأضافت أن توحيد المفاهيم والبروتوكولات بين المستشفيات يحد من الارتباك في اللحظات الحرجة، ويحول الجهود الفردية إلى منظومة عمل منسجمة قادرة على التعامل مع الكوارث بأعلى كفاءة ممكنة.
وأوضح الدكتور صلاح عمر جودة، مدير عام مستشفى الشيخ زايد التخصصي، أن اختيار المستشفى لاستضافة الجانب العملي من البرنامج جاء بعد تقييم دقيق لقدراته الفنية والبشرية، ضمن عدد من كبرى المستشفيات على مستوى الجمهورية. وشارك في التدريب مستشفيات 6 أكتوبر المركزي، والقصر العيني، ودار الفؤاد، وأبو خليفة، وجلوبال ميديكال سيتي، ووادي النطرون، في نموذج غير مسبوق للتكامل بين المؤسسات الصحية الحكومية والجامعية والخاصة. وقد تم تنفيذ سيناريو افتراضي يحاكي حادثًا جماعيًا واسع النطاق، بما يشمل فرز المصابين، وتوزيع الأدوار، وإدارة غرف الطوارئ والعمليات، في تجربة عملية وضعت الفرق الطبية أمام محك حقيقي لا يختلف كثيرًا عن الواقع.
وفي الإطار نفسه، أكد الدكتور معتز سامي، مدير وحدة الطوارئ بمستشفى الشيخ زايد التخصصي، أن التدريب شمل محاكاة ميدانية متقدمة تهدف إلى رفع كفاءة الفرق الطبية في إدارة التدفق المفاجئ للحالات الحرجة، وتحسين سرعة ودقة الاستجابة، وتقليل نسب الخطأ الناتجة عن ضغط الأعداد وضيق الوقت. وأوضح أن أحد أهم محاور التدريب كان توحيد آليات العمل بين المستشفيات المشاركة، بما يضمن وجود لغة مشتركة ونظام موحد للتعامل مع الإصابات الجماعية، وهو ما يمثل حجر الأساس في بناء منظومة استجابة وطنية متماسكة وقادرة على التحرك كوحدة واحدة في مواجهة الأزمات الصحية الكبرى.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا البرنامج في كونه لا يقتصر على مواجهة حادث محتمل بعينه، بل يؤسس لثقافة مؤسسية جديدة قوامها الاستعداد الدائم، والعمل وفق خطط وسيناريوهات مدروسة. فالإصابات الجماعية لا تمنح رفاهية التجربة والخطأ، وأي تأخير ولو بدقائق قد يعني فقدان عشرات الأرواح. ومن هنا، يصبح التدريب المتخصص هو خط الدفاع الأول، والضمانة الحقيقية لتحويل الطوارئ من حالة ارتباك إلى منظومة إدارة محترفة. كما أن التعاون مع منظمة الصحة العالمية يفتح آفاقًا أوسع لتبادل الخبرات، ونقل أفضل الممارسات الدولية إلى الواقع المصري، بما يعزز ثقة المواطن في قدرة مستشفياته على حمايته في اللحظات الأصعب.
إن برنامج تدريب المدربين في إدارة الإصابات الجماعية، الذي تنفذه وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، لا يمثل مجرد نشاط تدريبي عابر، بل هو خطوة استراتيجية في معركة بناء منظومة صحية قادرة على الصمود في وجه الأزمات. هو استثمار طويل الأمد في الإنسان، وفي سرعة القرار، وفي دقة التنسيق، وفي إنقاذ الأرواح قبل أن تتحول الحوادث إلى كوارث. ومع اتساع قاعدة المدربين المعتمدين، وانتشار الخبرات على مستوى الجمهورية، ترسم مصر خريطة أمان جديدة، عنوانها الجاهزية، وروحها الاحتراف، وهدفها الأول والأخير: حماية حياة المواطنين مهما كانت التحديات.