عبدالرحيم عبدالباري
حين تتحول الأرقام إلى لغة حياة، وحين تصبح الخدمات الطبية مقياسًا حقيقيًا لكرامة الإنسان وجودة معيشته، يمكن قراءة المشهد الصحي في محافظة دمياط بوصفه نموذجًا حيًا لتنفيذ رؤية الدولة في بناء الإنسان المصري. أكثر من 5 ملايين و833 ألف خدمة طبية قُدّمت للمواطنين خلال أحد عشر شهرًا فقط من عام 2025، في حصاد يعكس حجم الجهد المبذول داخل المنظومة الصحية، ويؤكد أن القطاع لم يعد يكتفي بإطفاء الحرائق، بل بات يعمل وفق خطة تنموية شاملة تستهدف تحسين جودة الحياة وترسيخ مفهوم الرعاية الصحية المستدامة.

جاءت هذه القفزة الكبيرة في حجم الخدمات الطبية المقدمة تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، وفي إطار التزام الدولة بتحقيق أهداف رؤية مصر 2030 والتنمية المستدامة. الأرقام المعلنة تكشف عن تحول حقيقي في فلسفة تقديم الخدمة الصحية من مجرد استجابة للاحتياج إلى بناء منظومة متكاملة تخطط وتنفذ وتقيم الأداء. فأن تتجاوز الخدمات المقدمة حاجز 5.8 مليون خدمة خلال فترة زمنية محدودة، فهذا يعني أن المواطن في دمياط بات يشعر بحضور يومي فعلي للدولة داخل المستشفى والوحدة الصحية والقافلة الطبية، لا كشعارات، بل كخدمة حقيقية تمسّ تفاصيل حياته وأمنه الصحي.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن المستشفيات بمحافظة دمياط قدمت وحدها 2 مليون و263 ألفًا و961 خدمة طبية متنوعة، شملت الطوارئ والاستقبال والعيادات الخارجية والغسيل الكلوي والرعايات المركزة والعلاج الطبيعي، وهو ما يعكس ارتفاع الطاقة التشغيلية للمستشفيات وقدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة من المترددين. كما تم تقديم 199 ألفًا و828 خدمة عبر العيادات المسائية في 14 مستشفى، لتخفيف الضغط عن الفترات الصباحية، إلى جانب 70 ألفًا و415 خدمة من خلال 53 قافلة طبية جابت القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، في صورة عملية لتجسيد العدالة الصحية والوصول بالخدمة إلى أبواب المواطنين.

التطوير لم يتوقف عند حدود الأرقام، بل امتد إلى البنية التحتية والتجهيزات الطبية، حيث تم تطوير ورفع كفاءة أقسام طبية في 11 مستشفى، مع إضافة تخصصات جديدة بمستشفيي دمياط العام وكفر سعد المركزي، وزيادة أسرّة الرعاية المركزة والمتوسطة لمواجهة الحالات الحرجة. كما شمل التطوير تحديث وحدات المناظير والعمليات والعلاج الطبيعي، وتزويد المستشفيات بأحدث الأجهزة الطبية، في خطوة تؤكد أن الدولة لا تراهن فقط على الكم، بل تراهن على الجودة والتكنولوجيا الحديثة. كما شهد مستشفى رأس البر المركزي نقلة نوعية بافتتاح عيادات تخصصية جديدة وإضافة أسرّة رعاية وحضانات، بما يعزز قدرته على تقديم خدمة متكاملة لأهالي المدينة والمناطق المجاورة.
وفي مجال الرعاية الصحية الأولية، الذي يُعد حجر الأساس لأي منظومة صحية ناجحة، تم تقديم 3 ملايين و370 ألفًا و825 خدمة طبية عبر وحدات ومراكز المحافظة، في مؤشر قوي على عودة الثقة إلى هذه الوحدات كخط الدفاع الأول عن صحة المواطن. كما تم اعتماد 7 وحدات من هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، وتسجيل 5 وحدات أخرى، بما يضمن استمرار تطوير الأداء وفق معايير الجودة. وشهدت الوحدات إضافة خدمات نوعية جديدة، مثل الدعم النفسي، وعلاج السمنة، وافتتاح عيادة المرأة الآمنة، ليصل عدد منشآت المبادرة الرئاسية لتطوير الرعاية الأولية إلى 50 وحدة ومركزًا، في توسع يعكس رؤية شاملة للصحة الجسدية والنفسية معًا.

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عبدالخالق، وكيل وزارة الصحة بدمياط، أن عام 2025 شهد تقدمًا غير مسبوق للقطاع الصحي بالمحافظة، تُرجم إلى إنجازات وطنية ودولية مهمة، حيث احتلت دمياط المركز الأول على مستوى الجمهورية في ملف مكافحة مقاومة مضادات الميكروبات، وهو ملف شديد الحساسية عالميًا. كما حصلت مستشفى دمياط العام على الاعتماد الدولي من الجمعية البريطانية (BSAC)، وتصنيف “مركز تميز عالمي”، بالإضافة إلى بروز عدد من مستشفيات المحافظة في مكافحة العدوى ودعم صحة المرأة، بما يعكس ارتفاع مستوى الأداء الطبي والالتزام الصارم بمعايير الجودة والسلامة.
وفي موازاة التطوير الطبي، كثّفت مديرية الصحة حملات الرقابة والتفتيش لضمان جودة الخدمة وحماية صحة المواطنين، حيث تم المرور على 1492 منشأة طبية، أسفر ذلك عن إغلاق 93 منشأة مخالفة، في رسالة واضحة بأن الدولة لا تتهاون مع أي تجاوز يمس صحة المواطن. كما تم تكثيف المتابعة على المنشآت الغذائية لضبط الأسواق ومنع تداول الأغذية غير الآمنة. هذا التوازن بين تقديم الخدمة وتطبيق الرقابة يعكس وعيًا متقدمًا بأن المنظومة الصحية لا تكتمل بالعلاج فقط، بل بالوقاية والتفتيش الصارم وحماية المجتمع من مصادر الخطر قبل تحوّلها إلى أزمات صحية واسعة.
ما تشهده محافظة دمياط من طفرة صحية حقيقية خلال عام 2025 ليس مجرد تحسن رقمي في عدد الخدمات، بل هو تجسيد واضح لإرادة دولة اختارت أن تجعل صحة المواطن في صدارة أولوياتها. 5.8 مليون خدمة طبية ليست رقمًا عابرًا في بيان رسمي، بل هي ملايين اللحظات من الأمل، وملايين الفرص للعلاج، وملايين القصص التي كُتب لها النجاة بفضل تطوير منظومة صحية باتت أكثر كفاءة وانتشارًا وجودة. ومع استمرار هذا الزخم، تبدو دمياط اليوم أقرب من أي وقت مضى لأن تكون نموذجًا وطنيًا حيًا لمنظومة صحية عصرية تضع الإنسان أولاً.