عبدالرحيم عبدالباري
تعكس الجولات الميدانية لرئيس مجلس الوزراء داخل قرى المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» فلسفة جديدة في إدارة الدولة لملف الصحة، تقوم على الاقتراب من المواطن في موقعه الطبيعي، لا انتظاره داخل العواصم والمدن الكبرى. وتأتي زيارة الدكتور مصطفى مدبولي لمركز طب الأسرة بقرية الفهميين بمركز الصف بمحافظة الجيزة لتؤكد أن تطوير البنية التحتية الصحية لم يعد مجرد أرقام في خطط، بل واقع يُقاس بجودة الخدمة، وكفاءة العنصر البشري، ومدى شعور المواطن بالكرامة والطمأنينة عند تلقي الرعاية الطبية.
زيارة رئيس مجلس الوزراء لمركز طب الأسرة بالفهميين لم تكن بروتوكولية، بل حملت دلالات سياسية وتنفيذية عميقة، أبرزها التأكيد على أن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» لم تُصمم فقط لتحسين المرافق، وإنما لإعادة بناء منظومة الخدمات الأساسية وعلى رأسها الصحة. تفقد انتظام سير العمل، ومستوى الجاهزية، وتوافر الأطقم الطبية، يعكس توجهاً رقابياً مباشراً من أعلى سلطة تنفيذية، بما يضمن استدامة الخدمة وليس الاكتفاء بافتتاحات شكلية. هذه الزيارة تُعيد الاعتبار لمفهوم المتابعة الميدانية كأداة لتصحيح المسار.
وفي كلمة وافية، استعرض الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، ملامح الخريطة الصحية بمحافظة الجيزة، مؤكداً أن المحافظة التي تضم أكثر من 9.5 مليون نسمة، تمثل نموذجاً معقداً يتطلب تخطيطاً صحياً دقيقاً. وأوضح أن وجود 190 مستشفى، ما بين حكومي وخاص، إلى جانب 239 منشأة رعاية أولية، يعكس حجم الجهد المبذول لتوفير الخدمة، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحدياً يتعلق بتكامل الأدوار وضمان الجودة وتوزيع الخدمة بعدالة بين المراكز والأحياء والقرى.
وأشار الدكتور خالد عبدالغفار في كلمته إلى أن القدرة الاستيعابية للقطاع الصحي بالجيزة تعكس مزيجاً من الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث يوفر القطاع الحكومي آلاف الأسرة الداخلية وأسرة الرعاية المركزة، مدعوماً بقدرات أكبر نسبياً في الغسيل الكلوي والحضانات. وأكد أن الدولة لا تنظر للأرقام بمعزل عن الاحتياج الفعلي، بل تعمل على سد الفجوات الحرجة، خاصة في المناطق الريفية، بما يضمن سرعة التدخل الطبي وتقليل أعباء الانتقال على المواطنين، وهو ما يُعد جوهر العدالة الصحية.
وفي تحليله لملف التجهيزات الطبية، أوضح وزير الصحة أن توافر ماكينات الغسيل الكلوي وأجهزة التنفس الصناعي والحضانات يمثل خط الدفاع الأول لحماية الفئات الأكثر هشاشة. وأكد أن الحفاظ على الجاهزية الفنية لهذه الأجهزة لا يقل أهمية عن توفيرها، مشدداً على أن الوزارة تعمل وفق رؤية استباقية لإدارة الأزمات الصحية. هذه الرؤية تضع الرعاية الأولية في مقدمة الأولويات، باعتبارها خط الوقاية الأول الذي يقلل الضغط على المستشفيات المركزية ويعزز صحة المجتمع على المدى الطويل.
أما فيما يخص القوى البشرية، فقد شدد الدكتور خالد عبدالغفار على أن العنصر البشري هو حجر الزاوية في نجاح أي منشأة صحية، موضحاً حجم الأطباء والصيادلة وهيئات التمريض العاملين في منشآت وزارة الصحة والقطاع الخاص. وأكد أن الوزارة تعمل على تحسين بيئة العمل والتدريب المستمر، بما ينعكس على جودة الأداء داخل الوحدات الصحية. هذا الطرح يكشف عن إدراك حقيقي بأن البنية التحتية وحدها لا تكفي دون استثمار حقيقي في الإنسان القائم على الخدمة.
وفي سياق متصل، أكد الدكتور إسحاق جميل، وكيل وزارة الصحة بالجيزة، أن مديرية الصحة بالمحافظة تنفذ توجيهات القيادة السياسية ووزارة الصحة من خلال خطة متكاملة لتطوير الوحدات الصحية بالقرى الأكثر احتياجاً. وأوضح أن مركز طب الأسرة بالفهميين يُعد نموذجاً لهذا التوجه، حيث يقدم خدمات شاملة ومجانية، ويغطي عدداً من القرى المجاورة، بما يسهم في تخفيف الضغط عن المستشفيات العامة. وأشار إلى أن المتابعة اليومية للأداء تمثل أولوية لضمان انتظام الخدمة واستمراريتها.
من جانبها، أوضحت الدكتورة رشا خضر، رئيس قطاع الرعاية الأساسية وتنمية الأسرة، أن المركز يمثل منصة متكاملة لتنفيذ المبادرات الرئاسية، بدءاً من صحة المرأة، مروراً بالأم والجنين، ووصولاً للكشف المبكر عن السمع والأورام والاعتلال الكلوي. هذا التكامل يعكس فلسفة جديدة للرعاية الصحية، تقوم على الوقاية والتثقيف الصحي، وليس فقط العلاج. كما أن توزيع العيادات والخدمات على ثلاثة طوابق يؤكد التخطيط الوظيفي الذي يراعي سهولة الوصول وكفاءة التشغيل.
ويبرز مركز طب الأسرة بالفهميين كنموذج عملي لكيف يمكن للوحدة الصحية أن تتحول إلى مؤسسة خدمية شاملة، بفضل توافر 31 غرفة، وطاقم بشري مدرب قوامه 35 فرداً من تخصصات متعددة. تفقد رئيس الوزراء لعيادات الأسنان والمشورة الأسرية والسمع الوليدي والصيدلية، حمل رسالة واضحة مفادها أن المواطن الريفي يستحق نفس مستوى الخدمة المتاحة في المدن الكبرى. هذا النموذج يعكس التحول من مفهوم “الوحدة التقليدية” إلى “مركز خدمة مجتمعية صحية”.
تؤكد زيارة مركز طب الأسرة بقرية الفهميين أن الدولة المصرية تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ حق المواطن في الصحة، ليس كشعار، بل كممارسة يومية. وتكشف كلمات الدكتور خالد عبدالغفار والدكتور إسحاق جميل عن رؤية متكاملة تُوازن بين الأرقام والإنسان، وبين التخطيط والتنفيذ. ومع استمرار مبادرة «حياة كريمة»، يبدو أن العدالة الصحية لم تعد حلماً مؤجلاً، بل واقعاً يتشكل من قلب القرى، حيث تبدأ التنمية الحقيقية، ويُصان حق المواطن في حياة كريمة بالفعل لا بالقول.