بينما كنت أجلس في صالة دار الأوبرا المصرية، شعرت بأنني لا أشاهد مجرد فيلم وثائقي، بل كنت أعيش تجربة إنسانية مدهشة تظهر قوة الإرادة وعظمة الروح، كل مشهد من (هي) جعلني أتعاطف وأقف احتراما أمام مسيرة الدكتورة إيمان كريم، تلك المرأة التي حولت تحدياتها الشخصية إلى مصدر إلهام لكل من حولها، لم يكن الأمر مجرد عرض سينمائي، بل كان دعوة للتأمل في معنى الصبر، العزيمة، وقدرة الإنسان على تحويل الألم إلى إنجاز، وهو الشعور الذي رافقني طوال الأمسية حتى لحظة وداعي للصالة.
فقد شهدت دار الأوبرا المصرية حدثا استثنائيا، حيث تلاقى الفن بالواقع في عرض الفيلم الوثائقي الخاص ( هي )، الذي يوثق رحلة الصعود المذهلة للدكتورة إيمان كريم، المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة بمرتبة وزير.
الفيلم يرسم سيرة حياة الدكتورة إيمان كريم، بدءا من شابة رياضية نشيطة، مرورا بالتحول الصادم إلى مستخدمة للكرسي المتحرك نتيجة حادث أليم في سن الرابعة عشرة، وصولا إلى مسيرة علمية مبهرة شملت دراسة اللغة الألمانية، الحصول على الماجستير والدكتوراه، والتدريس الجامعي، وانتهاءً بتوليها مناصب قيادية رفيعة، محققة بذلك نموذجا فريدا من الإصرار والإبداع.
حول العرض الخاص للفيلم إلى مظاهرة وطنية جسدت هيبة الدولة وروح الإلهام، بحضور لفيف من قيادات الصف الأول، في مقدمتهم المستشارة أمل عمار رئيس المجلس القومي للمرأة، والدكتورة سحر السنباطي رئيس المجلس القومي للطفولة والأمومة، في مشهد يعكس تلاحم مثلث القوة للمجالس القومية في مصر.
وببراعة المخرج عاطف شكري وإنتاج المركز القومي للسينما، قدم الفيلم رحلة إنسانية مؤثرة بدأت من نقطة الانكسار، لتبرز قدرة البطلة على تحويل تحديات الجسد إلى قوة للروح، الفيلم يوثق كيف أصبحت الدكتورة إيمان رمزا علميا في اللغة الألمانية وقائدة سياسية مسؤولة عن ملفات جوهرية في مجال الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية في الجمهورية الجديدة.
ولم يغِب عن الأمسية بريق الفن، حيث حضر نخبة من الفنانين والمثقفين، من بينهم الفنانة الكبيرة إلهام شاهين التي وصفت الفيلم بـالأسطورة المصرية الحقيقية، داعية إلى عرضه على القنوات التلفزيونية، كما أعلنت شاهين عن رغبتها في تطوير العمل إلى فيلم سينمائي روائي يركز على الجوانب الإنسانية وقصة الحب بين الدكتورة إيمان وزوجها الكابتن يسري عبد العزيز، كمثال حي للتضحية والشراكة الحقيقية.
وأعلن المنتج هشام سليمان تبنيه الكامل لفكرة إنتاج الفيلم الروائي، مؤكدا على ضرورة أن تكون هذه القصة الملهمة منارة للأجيال القادمة، كما أكد المخرجون محمد ياسين وأشرف فايق والفنان حمزة العلي على أن الفيلم يمثل انتصارا للمرأة المصرية ولذوي الإعاقة، ويثبت أن الكرسي المتحرك لم يكن عائقا أمام الطموح، بل محفزا لإنجازات تخدم ملايين المصريين.
وفي الندوة النقاشية التي تلت العرض، سلط الحاضرون الضوء على أن الدكتورة إيمان كريم لم تقدم سيرتها الذاتية فحسب، بل قدمت خارطة طريق لكل من يسعى لتحويل المحن إلى منح، وغادر جمهور دار الأوبرا الأمسية وهم يحملون رسالة واضحة، شمس الإرادة لا تغيب، ومصر تمتلك كوادر قادرة على صياغة المستقبل بالتفاؤل والعمل الدؤوب
خرجت من دار الأوبرا وأنا أحمل شعورا بالدهشة والإعجاب، ليس فقط بما حققته الدكتورة إيمان كريم، بل بما تعلمناه جميعا من قصتها بان التحديات ليست نهاية الطريق، وأن الإرادة الحقيقية تصنع الفارق في حياة الإنسان والمجتمع، فيلم ( هي) لم يكن مجرد سيرة ذاتية، بل أصبح منارة للأمل لكل من يواجه صعوبات الحياة، ودليلا حيا على أن مصر قادرة على إنتاج نماذج تلهم الأجيال القادمة، وتؤكد أن الإرادة لا تعرف المستحيل.