بعد سنوات طويلة من العمل الصحفي، والتنقل بين قاعات المؤتمرات ومكاتب المسؤولين، ثم العودة في نهاية اليوم إلى الشارع حيث الحقيقة العارية بلا مكياج، تعلمت أن الفجوة الأكبر ليست بين الحكومة والمعارضة، بل بين ما يقال رسميا وما يعيشه الناس فعليا، خبرتي علمتني أن المواطن لا يطلب المستحيل، لكنه يطلب أن يسمع صوته، وألا تتحول مؤسساته المنتخبة إلى جدران صماء.
لم أكتب هذا المقال بصفتي مراقبا محايدا يجلس في الصفوف الخلفية، ولا كمتابع للشأن البرلماني من خلف الشاشات، بل كتبته بصفتي واحدا من الناس، أسمع الشكوى قبل أن أقرأ الخبر، وأرى القلق في عيون البسطاء قبل أن أراه في تقارير الحكومة، أعرف أن الانحياز للناس قد يغضب البعض، لكنه في النهاية انحياز للواقع، لا للشعارات، ومن هذا الرصيد المهني، ومن موقع الانحياز الواعي للمواطنين، أطرح السؤال الذي يتردد في المقاهي والمواصلات والبيوت قبل أن يطرح تحت قبة البرلمان، الناس عاوزه إيه من مجلس النواب القادم؟
الشارع المصري لم يعد يطلب معجزات، ولم يعد ينتظر خطابات رنانة أو وعودا انتخابية محفوظة عن خدمة الوطن وتلبية مطالب الجماهير، الناس اليوم أكثر بساطة وأكثر وجعا، أول ما يريده المواطن هو نائب يعرف شكل المعاناة، لا يكتفي بنقلها في طلب إحاطة أو سؤال برلماني ينتهي أثره عند أبواب القاعة، نائب يفهم معنى أن تقف أسرة كاملة أمام فاتورة كهرباء أو دواء لا يحتمل سعره، الناس لا تريد نائبا يظهر في الصور أكثر مما يظهر في الشارع.
الناس سئمت فكرة أن البرلمان مجرد ممر آمن للقرارات الحكومية، المطلوب مجلس يمارس دوره الدستوري الكامل في الرقابة والمحاسبة، لا برلمان يصفق أكثر مما يسأل، ويصمت أكثر مما يعترض، الناس لا تعادي الدولة، لكنها تريد حكومة تسمع النقد قبل أن يتراكم الغضب.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة يعرفها الشارع جيدا، حتى لو تجنب البعض الاعتراف بها، وهي أن بعض النواب دخلوا البرلمان باحثين عن مصالحهم الخاصة أكثر من بحثهم عن مصالح الوطن والمواطن، نواب تعاملوا مع المقعد النيابي كوجاهة اجتماعية أو وسيلة لتحقيق مكاسب ونفوذ، فغابوا عن القضايا الحقيقية، هؤلاء لم ينشغلوا بتشريع يخفف عن الناس، ولا برقابة جادة تحمي المال العام، بل أصبحوا جزءا من الأزمة بدلا من أن يكونوا جزءا من الحل، وهو ما عمق فجوة الثقة بين المواطن وممثليه.
المواطن لا يقرأ نصوص القوانين، لكنه يشعر بنتائجها في جيبه وبيته وعلاجه وتعليمه، الناس تريد قوانين تحمي محدودي الدخل لا ترهقهم، تضبط الأسواق لا تتركها للفوضى، توازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، فالقانون الذى لا يخفف عبء الحياة عن الناس لا قيمة له.
أكبر خيبة أمل لدى الناس هي النائب الذي يختفي بعد إعلان النتيجة، ويعود قبل الانتخابات بأيام، الناس تريد نائبا متواجدا، متواصلا، ومسؤولا، لا يرى الدائرة مجرد صندوق أصوات.
الناس لا تطلب المستحيل من مجلس النواب القادم، لكنها تطلب الحد الأدنى من الإنصاف، والحد الأعلى من الصدق، تريد برلمانا يرى نفسه ممثلا عن الشعب لا وصيا عليه، وشريكا في الحل لا شاهدا على الأزمة.
ويبقى السؤال الحقيقي الذي يطرحه الشارع، هل مجلس النواب القادم سيغير حياة الناس أم ليدير أزمتهم فقط؟