منذ متابعتي لما يحدث على الساحة الوطنية والدولية، صرت ألاحظ بأسف شديد كيف يتحول بعض النشطاء، ممن يمتلكون صوتا مسموعا، من نقد بناء إلى مهاجمة الوطن ذاته، فقضية الناشط السياسى علاء عبد الفتاح الأخيرة، وما صاحبها من جدل حول خطاباته وتصرفاته، جعلتني أشعر بضرورة التوقف والتساؤل، متى يتحول الغضب المشروع إلى خصومة مع الدولة؟
لم يعد مقبولا، ولا مفهوما، ولا مبررا، أن يقدم الهجوم على الأوطان باعتباره بطولة، أو أن يسوق الطعن في الدولة على أنه شجاعة أخلاقية، فبين المعارضة المشروعة، والعداء الصريح للوطن، مسافة واضحة، لم يعد البعض يتعمد تجاهلها فقط، بل يسعى إلى محوها عمدا. قضية علاء عبد الفتاح، وما رافقها من جدل حول خطاب طويل اعتاد تصدير أزمات الداخل إلى الخارج، تكشف نموذجا بات متكررا، ناشط يرى وطنه من خلال مرآة غضبه، فيختزل الدولة في خصم، ويختزل الشعب في ضحية أبدية، ويقدم نفسه للعالم شاهدا وحيدا على الحقيقة.
مؤخرا، أصدر علاء عبد الفتاح بيان اعتذار على منصاته، عقب إعادة تداول منشوراته القديمة التي اعتبرت مسيئة للطريقة التي ينظر بها إلى مصر ودورها في المنطقة، وفي بيانه، أقر بأن بعض عباراته كانت صادمة ومؤذية، وأن غضبه الشخصي وشبابه قاده إلى التعبير عن أفكار كانت بعيدة عن المسؤولية الوطنية، ورغم صدق الاعتذار، فإن هذه الكلمات التي خرجت منذ سنوات تركت أثرا لا يمحى بسهولة، وأظهرت مرة أخرى الخطر الكامن في تحويل الغضب الشخصي والخلاف السياسي إلى خطاب يستخدم خارجيا، مما يعطي خصوم الوطن ذريعة لتسليط الضوء على نقاط الضعف.
من حق أي مواطن أن ينتقد، لكن ليس من حقه أن يجرد وطنه من كل قيمة، أو أن يقدمه للعالم بوصفه كيانا فاشلا أخلاقيا وسياسيا وإنسانيا، فالنقد الذي يتغذى على التعميم، ويتعمد تجاهل السياق، ويستدعي الخارج للفصل في الشأن الداخلي، لم يعد نقدا، بل تحريضا معنويا ضد الدولة.
التجربة تثبت أن المنصات الأجنبية لا تبحث عن الحقيقة كاملة، بل عن الرواية التي تخدم مصالحها، ومن يظن أن الغرب سيكافئه لأنه أساء لوطنه، يكتشف سريعا أن الاحترام هناك لا يمنح لمن يطعن بلاده، بل لمن يدافع عنها حتى وهو يختلف معها،
والاعتذارات المتأخرة، حين تصدر، لا تغير كثيرا من الحقيقة، فالكلمة التي خرجت لا يمكن استعادتها، والأثر الذي صنعته لا يمحى بسهولة.
من المؤسف أن بعض النشطاء باتوا ينظرون إلى أي دفاع عن الدولة باعتباره تواطؤًا، وإلى أي حديث عن المصلحة الوطنية باعتباره تبريرا، هكذا يختطف مفهوم الوطنية، ويعاد تعريفه ليصبح مرادفا للخيانة الذاتية، بينما الحقيقة أن الاختلاف مع الدولة لا يلغي الانتماء إليها، لكن العداء لها يفعل.
هذه ليست رسالة إلى علاء عبد الفتاح وحده، بل إلى كل من يسير على النهج ذاته، إذا أردت أن تكون معارضا، فكن شريفا، وإذا أردت أن تنتقد، فانتقد من موقع المسؤولية لا من مقاعد الخارج، وإذا أخطأت، فاعترف، لا لأن الضغوط اشتدت، بل لأن الوطن يستحق الصدق لا المتاجرة، فالأوطان لا تهان باسم الحرية، ولا تستهدف باسم الحقوق، ولا تختزل في رواية واحدة مهما علا صوت صاحبها.
في لحظة دولية مضطربة، يشهد فيها العالم حروبا مفتوحة، وانهيارا لمفاهيم كانت تعد ثابتة، وتوحشا في منطق المصالح، تصبح مصر كغيرها من الدول ذات الثقل في أمس الحاجة إلى اصطفاف وطني، لا إلى معارك داخلية مجانية، لكن الاصطفاف الوطني لا يعني الصمت، ولا تكميم الأفواه، ولا مصادرة النقد، بل على العكس، الاصطفاف الحقيقي هو الذي يفرق بوضوح بين النقد البناء الذي يستهدف الإصلاح، والخطاب الهدام الذي يضعف الدولة ويمنح خصومها ما يعجزون عن انتزاعه بأنفسهم.
أما تحويل الخلاف السياسي إلى معركة مع الدولة، أو تصدير الإحباط والغضب إلى الخارج باعتباره شهادة وطنية، فهو سلوك لا يخدم حرية ولا يحمي حقا، بل يفتح ثغرات في جدار الدولة لا يحتاج خصومها إلى أكثر من استغلالها، وفي لحظات الخطر الكبرى، لا تقاس الوطنية بعلو الصوت، بل بعمق المسؤولية، ولا تقاس الشجاعة بحدة الهجوم، بل بالقدرة على حماية الوطن حتى ونحن نختلف معه.