لحظة الحقيقة الأطلسية
في ظل التحذيرات المتكررة سابقاً من مغبة الانسياق الأعمى وراء السياسات الأمريكية، والتي تجاهلتها أوروبا طويلاً حتى وصل “ترامب” إلى سدة الانتقام ليدمر النظام العالمي، يأتي البيان الصحفي التاريخي من الخبير الحقوقي والمحلل البارز، الباحث في الشأن العربي والدولي “نبيل أبوالياسين”، ليضع النقاط على الحروف في لحظة فارقة. يؤكد أبوالياسين أن الساعة الأوروبية قد دقت أخيراً لإنهاء عصر التبعية العمياء لواشنطن، بعد أن كشفت إدارة ترامب عن نواياها التوسعية التي تبدأ بغرينلاند ولا تنتهي عند تفتيت حلف الناتو. هذه الصحوة المتأخرة، كما يراها المحلل، هي محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من سيادة أوروبية قبل أن تتحول القارة إلى مجرد أداة في آلة السياسة الأمريكية الانتقامية.
غرينلاند.. الشرارة التي أشعلت الثورة الأوروبية
“الاستحواذ أو القوة”.. عقيدة ترامب الجديدة.
وضع نبيل أبوالياسين يده على الجرح الأوروبي النازف، موضحاً أن تهديدات ترامب بضم غرينلاند “إما بالطريقة السهلة أو الصعبة” ليست مجرد تصريحات عابرة، بل تمثل فلسفةً توسعيةً جديدةً تعتمد على منطق القوة الصريح. وأضاف المحلل أن الرئيس الأمريكي يعيد إحياء أسوأ تقاليد الاستعمار بطرحه “شراء” أراضي شعبٍ يتمتع بحكم ذاتي، متجاهلاً مبادئ السيادة التي قام عليها النظام الدولي الحديث. وحذر أبوالياسين من أن هذا النهج يشكل سابقة خطيرة تشرعن سياسة فرض الأمر الواقع، حيث أشار إلى أن “ما يحدث اليوم في غرينلاند قد يتكرر غداً في أي إقليم أوروبي آخر إذا تُرك هذا العدوان دون ردّ حاسم”.
ولفت الخبير الدولي الانتباه إلى أن التهديدات الأمريكية لم تأتِ من فراغ، بل هي جزء من استراتيجية متكاملة بدأت بتقويض التحالفات التقليدية وصولاً إلى فرض الهيمنة المباشرة. وأكد أن ترامب يختبر من خلال غرينلاند مدى استعداد أوروبا للدفاع عن نفسها، معتبراً أن الصمت الأوروبي السابق تجاه انتهاكات واشنطن في فلسطين وفنزويلا شجّع هذه الإدارة على المضي قدماً في سياساتها العدوانية. ووضح قائلاً: “الغطرسة الأمريكية لم تعد تخفي نفسها تحت شعارات الديمقراطية، بل تظهر عارية تهدد بشراء الشعوب كما تشتري السلع”.
سلاح العقوبات.. الرد الأوروبي التاريخي
الاتحاد الأوروبي يرفع القفاز
أشار نبيل أبوالياسين إلى التحول النوعي في الموقف الأوروبي الذي تجسد في التحرك الجاد لفرض عقوبات على واشنطن، موضحاً أن هذا القرار يمثل قطيعة استراتيجية مع سياسة التبعية التي مارستها بروكسل لعقود. وأضاف أن البرلمان الأوروبي، بكل كتلته السياسية تقريباً، يتحرك الآن لتجميد اتفاقيات التجارة مع الولايات المتحدة، في خطوةٍ تعكس إدراكاً متأخراً لكنه حاسم لخطورة الاستمرار في العلاقة غير المتوازنة. وحذر المحلل من محاولات بعض الأطراف الأوروبية تخفيف حدة الرد، مؤكداً أن “أي تراجع في هذه اللحظة التاريخية سيعني نهاية الدور الأوروبي المستقل ويحول القارة إلى تابعٍ دائمٍ للسياسات الأمريكية المتقلبة”.
ولفت أبوالياسين الانتباه إلى أن العقوبات المحتملة التي تستهدف عمالقة التكنولوجيا الأمريكية والبنوك، ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل تمثل إستراتيجية اقتصادية دفاعية تحاول أوروبا من خلالها حماية سيادتها الرقمية والمالية. ووضح أن هذا التحرك يأتي بعد سنوات من الاستغلال الأمريكي للأسواق الأوروبية عبر اتفاقيات تجارية مجحفة، مشيراً إلى أن “صحوة أوروبا الاقتصادية جاءت متأخرة، لكنها ضرورية لمواجهة سياسات الابتزاز التي تمارسها واشنطن تحت شعارات التجارة الحرة”. وأكد أن نجاح هذه العقوبات مرهون بوحدة الموقف الأوروبي الذي لا يزال يعاني من بعض التشققات الداخلية.
التفريط في حقوق غزة: المقدمة التي مهدت لتفريط أوروبا في سيادتها
أكّد نبيل أبوالياسين أن اليقظة الأوروبية المتأخرة تحمل في طياتها اعترافاً مُراً بثمن الصمت الطويل، موضحاً أن “العاصفة التي تهزّ أركان القارة اليوم هي الحصاة المنطقية لسنوات من السياسة الانتهازية”. وأضاف المحلل: “عندما تختار دولٌ ذات تاريخٍ حقوقيٍ طويل الصمتَ تجاه جرائم استثنائية في غزة، تكون قد أودعت في البنك السياسي العالمي شيكاً على بياض، واليوم يحين موعد صرفه، لكن ليس بدماء الآخرين هذه المرة، بل بأمنها القومي وسيادتها الإقليمية”.
وتساءل الخبير الدولي: “لقد قمعت حكوماتٌ أوروبية شعوبها حين نددت بانتهاكات الاحتلال، كل ذلك تحت مظلة ‘التحالف الاستراتيجي’ مع واشنطن، فماذا تفعل اليوم والانتهاك يطال سيادتها مباشرةً؟ هل ستكرر نفس النموذج: إدانات لفظية ثم عودة للعمل كالمعتاد؟”. وحذّر من أن الذرائع التي استُخدمت سابقاً لتبرير التدخلات الخارجية تعود اليوم بشكلٍ أكثر وقاحةً لتبرير انتهاك السيادة في قلب أوروبا نفسها، مؤكداً أن “النظام العالمي لا يبدأ انهياره بانتهاك حقوق الشعوب البعيدة، بل يصل إلى نقطة اللاعودة حين تنتقل عدوى انتهاك السيادة إلى مراكز القرار التقليدية نفسها”.
ولفت أبوالياسين إلى أن هذه اللحظة التاريخية تضع أوروبا أمام مرآة أخلاقية لا ترحم، مشيراً إلى أن “القدرة على اتخاذ موقف أخلاقي متسق هي التي تحدد مصداقية أي قوة دولية، وأوروبا تخوض اليوم اختباراً لمصداقيتها ليس فقط أمام شعوبها، بل أمام التاريخ نفسه”.
المشهد الدولي.. انهيار التحالفات التقليدية
الناتو على حافة الهاوية
حذر نبيل أبوالياسين من العواقب الكارثية لسياسات ترامب على النظام الدولي، موضحاً أن تهديدات واشنطن ضد حليفتها الدنمارك تمثل ضربة قاضية لمصداقية حلف الناتو. وأضاف أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تلزم الأعضاء بالدفاع المشترك، أصبحت مجرد حبر على ورق في ظل العدوان الأمريكي المباشر على أحد أعضائه. وأشار إلى أن دولاً أوروبية كبرى مثل فرنسا بدأت تعلن صراحةً عن تحضيرها لخطط ردعية مستقلة، في اعترافٍ ضمني بفشل التحالف الأطلسي في تحقيق الأمن الجماعي.
ولفت المحلل إلى أن “الطلاق البائن” بين ضفتي الأطلسي لا يهدد الاستقرار الأوروبي فقط، بل يفتح الباب أمام صراعات إقليمية جديدة ويشجع قوى أخرى على تبني سياسات عدوانية مماثلة. ووضح أن العالم يشهد تحولاً جيوسياسياً تاريخياً تنتقل فيه القوة من التحالفات متعددة الأطراف إلى تحالفات مصلحية هشة، مؤكداً أن “الانتقام الشخصي لترامب من أوروبا بسبب سخرية تعرض لها بعد خسارته الانتخابات السابقة، أصبح اليوم محركاً للسياسة الدولية يهدد بسحب العالم إلى حالة من الفوضى الاستراتيجية”. وحذر من أن صمت القاعدة الجمهورية الأمريكية تجاه هذه السياسات يزيد الطين بلة، ويعطي الإدارة الحالية مزيداً من الجرأة لتجاوز كل الخطوط الحمراء.
غرينلاند وفنزويلا.. نفس العقلية التوسعية
من أمريكا اللاتينية إلى القطب الشمالي
أكد نبيل أبوالياسين أن ما يحدث في غرينلاند ليس حالة معزولة، موضحاً أنه امتداد طبيعي للعقلية التوسعية نفسها التي قادت التدخل الأمريكي في فنزويلا وأماكن أخرى. وأشار إلى أن ترامب يعيد إنتاج أساليب القرون الاستعمارية تحت شعارات الأمن القومي، متجاهلاً حق الشعوب في تقرير مصيرها. ووضح أن التوازي بين الحالتين يكشف عن نمط ثابت في السياسة الخارجية الأمريكية الحالية التي ترفض أي قيود قانونية أو أخلاقية على نزعاتها الهيمنية.
ولفت الخبير الدولي الانتباه إلى تصريحات شعب غرينلاند المؤكدة “لا نريد أن نكون أمريكيين، نريد أن نكون غرينلانديين”، معتبراً أن إصرار الترامبية على تجاهل هذه الإرادة الشعبية يعكس احتقاراً عميقاً لمبادئ الديمقراطية التي تزعم واشنطن الدفاع عنها. وأضاف أن الموقف الجرينلاندي يشكل نموذجاً للإصرار على السيادة في مواجهة أعتى القوى، محذراً من أن أي تراجع أوروبي عن دعم هذا الموقف سيكون بمثابة إعلان وفاة لمبدأ حق تقرير المصير الذي قامت عليه الأمم المتحدة. وحذر من أن الصمت الدولي على انتهاك سيادة غرينلاند سيفتح الباب أمام مغامرات توسعية أخرى، حيث أكد أن “العالم إذا قبل بشراء الشعوب اليوم، فسيصبح الغد سوقاً مفتوحاً للاستعمار الجديد”.
معركة السيادة الأخيرة
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي التاريخي مؤكداً أن المعركة الدائرة اليوم حول غرينلاند هي في جوهرها معركة مصيرية لتحديد شكل النظام العالمي الجديد. وأشار إلى أن أوروبا تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تنتفض لتدافع عن سيادتها وتحمي ما تبقى من نظام دولي قائم على القانون، أو تستسلم لتتحول إلى مجرد أداة تنفيذية في المشروع الأمريكي الانتقامي. ووضح أن العقوبات المعلنة ليست مجرد رد اقتصادي، بل هي إعلان استقلال سياسي يضع حداً لعقود من التبعية العمياء.
ولفت المحلل إلى أن نجاح أوروبا في هذه المواجهة مرهون بوحدتها الداخلية وقدرتها على تجاوز الخلافات الثانوية لمواجهة التحدي الوجودي المشترك. وحذر من أن أي تردد أو انقسام سيكون بمثابة انتحار استراتيجي تدفع أوروبا ثمنه لعقود قادمة، مؤكداً أن “ساعة الحقيقة الأطلسية قد دقت، والقارة العجوز لم تعد تملك رفاهية التأجيل أو المساومة”. وختم قائلاً: “الطلاق البائن قد يكون مؤلماً، لكنه ضروري للولادة الجديدة لأوروبا القوية المستقلة، فإما أن تستفيق اليوم لتكتب مستقبلها بيدها، أو تنام إلى الأبد تحت الهيمنة الأمريكية التي لا تعترف إلا بمنطق القوة والتبعية”.