عبدالرحيم عبدالباري
في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور الطبي وتتغير فيه معايير الجودة الصحية يومًا بعد يوم، لم يعد تطوير البنية التحتية وحده كافيًا لبناء منظومة صحية قوية، بل أصبح الاستثمار في العنصر البشري هو الركيزة الأساسية لتحقيق التميز والاستدامة. وانطلاقًا من هذا المفهوم، تواصل وزارة الصحة والسكان تعزيز قدرات كوادرها الطبية عبر برامج تدريبية ومنح دولية، أسهمت خلال عام 2025 في رفع كفاءة 72 من العاملين بالقطاع الصحي، في خطوة تعكس رؤية استراتيجية تستهدف بناء إنسان مهني قادر على مواكبة المعايير العالمية.

أعلنت وزارة الصحة والسكان تنفيذ عدد من البرامج والمنح التدريبية الدولية خلال عام 2025، استفاد منها 72 من الكوادر الصحية في تخصصات متنوعة، وذلك من خلال الإدارة العامة للمنح والبعثات. ويأتي هذا التوجه في إطار حرص الوزارة على الارتقاء بالمستوى العلمي والمهني للعاملين بالقطاع الصحي، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن صحة المواطن. وتعكس هذه البرامج إيمان الدولة بأن تطوير الإنسان لا يقل أهمية عن تحديث الأجهزة، وأن المعرفة الحديثة هي أساس تقديم خدمة صحية آمنة وفعالة.
وأكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن هذه المنح تأتي ضمن استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز كفاءة العنصر البشري ومواكبة أحدث التطورات العلمية والطبية عالميًا. وأوضح أن تنفيذ البرامج تم بالتعاون مع عدد من الدول الرائدة في المجال الطبي، من بينها الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايلاند، بما يتيح نقل الخبرات المتقدمة والاطلاع على أحدث النظم الصحية وأساليب الإدارة الطبية، وهو ما يسهم في بناء كوادر قادرة على تطبيق التجارب الدولية الناجحة داخل المنظومة الصحية المصرية.
وشملت البرامج التدريبية مجالات حيوية تمثل أولوية قصوى للقطاع الصحي، من أبرزها الصحة العامة، والأمراض المعدية، والتمريض، وإدارة الرعاية الصحية، والسلامة والصحة المهنية، إضافة إلى التغيرات المناخية وتأثيرها على الصحة، وصحة الفم والأسنان. ويعكس تنوع هذه التخصصات رؤية شاملة تهدف إلى معالجة التحديات الصحية المعاصرة من جذورها، وربط الجوانب العلاجية بالوقائية والإدارية، بما ينعكس بشكل مباشر على تحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة هنادي محمد، رئيس قطاع المهن الطبية، أن هذه البرامج التدريبية الدولية تمثل أداة فعالة لنقل الخبرات العالمية وتطبيق أفضل الممارسات داخل المنشآت الصحية المصرية. وأوضحت أن الاحتكاك بالمدارس الطبية المختلفة يثري خبرات الكوادر الصحية، ويسهم في رفع كفاءة الأداء المهني، وتحسين مهارات العمل الجماعي واتخاذ القرار، بما يدعم بناء منظومة صحية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للتحديات والأزمات الصحية الطارئة.
وفي السياق ذاته، أوضحت الدكتورة منال أسامة، مدير الإدارة العامة للمنح والبعثات، أن تنفيذ هذه البرامج تم وفق معايير واضحة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتقدمين، بما يعزز الثقة في منظومة الاختيار والترشيح. وأكدت أن الإدارة تحرص على اختيار البرامج التي تحقق أقصى استفادة علمية وتطبيقية، بما يضمن عودة المتدربين وهم قادرون على نقل ما اكتسبوه من خبرات ومعارف إلى زملائهم داخل مواقع العمل المختلفة.
وأضافت أن الإدارة العامة للمنح والبعثات مستمرة في توسيع نطاق التعاون مع الدول والجهات المانحة والمؤسسات الدولية، بما يدعم تطوير الكوادر الطبية ورفع كفاءة المنظومة الصحية وفقًا للمعايير العالمية. ويأتي هذا التوجه ضمن خطة طويلة الأمد تستهدف بناء صف ثانٍ وثالث من القيادات الطبية المؤهلة علميًا وإداريًا، القادرة على قيادة التغيير الإيجابي داخل القطاع الصحي، وتحقيق الاستدامة في جودة الخدمات.
إن استفادة 72 من الكوادر الطبية من المنح التدريبية الخارجية خلال عام 2025 تؤكد أن وزارة الصحة والسكان تراهن على الإنسان باعتباره المحرك الحقيقي للتطوير. فبالعلم والتدريب ونقل الخبرات الدولية، تتشكل منظومة صحية أكثر قوة وكفاءة، قادرة على تلبية احتياجات المواطن، ومواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار، لترسيخ مفهوم أن صحة الإنسان تبدأ بكفاءة من يقدم له الرعاية.