حين نتأمل أحوال الناس هذه الايام، نجد أنفسنا أمام مشهد إنساني بالغ القسوة، مشهد قد يهز قلب كل من فيه ذرة رحمة، حتى لو كان كافرا لا يؤمن بالله ولا بالجزاء، فكيف بالمؤمن الذي يحمل في قلبه رحمة، وفي ضميره خوفا من الله، وفي روحه إحساسا بالمسؤولية تجاه غيره؟
لقد اشتدت وطأة الحياة على كثير من الناس، فصار الفقر رفيق بيوت كثيرة، والهم ضيفا دائما على صدورهم، ترى العامل يكد طوال يومه ولا يكاد يسد رمق أطفاله، والأم تحصي ما بقي في يدها من نقود قبل أن تقرر أي الضروريات ستؤجل، والشيخ يشيخ مرتين، مرة بضعف الجسد، ومرة بعجز الحال، هذه الصور ليست استثناء، بل واقعا يتكرر في مدن وقرى لا حصر لها.
وما يزيد الأمر إيلاما أن الضيق لم يعد ماديا فقط، بل امتد ليصيب النفوس، قلق، خوف من المستقبل، فقدان للأمان، وانكسار داخلي لا تراه العين لكنه واضح في الوجوه، صار الإنسان يبتسم مجاملة، ويخفي خلف ابتسامته تعبا لو تم توزيعه على جماعة لأثقلهم، حتى العلاقات الإنسانية أصابها الوهن، فالجميع مشغول بجراحه، مثقل بأحماله، قليل الصبر على غيره.
وحين يرى المرء هذا كله، يدرك لماذا يقال إن حال الناس يصعب على الكافر، فالقسوة لم تعد تحتمل، والظلم صار فاضحا، والتفاوت بين الناس بلغ حدا يستفز الفطرة السليمة قبل الإيمان، كيف يتم ترك هذا العدد الهائل من البشر يصارعون الحياة وحدهم، بينما القلة تنعم بما يفوق الحاجة؟ أي قلب لا يتأثر، وأي عقل لا يتساءل؟
غير أن هذه القسوة تضع المؤمن أمام اختبار حقيقي، اختبار الرحمة، والتكافل، والمسؤولية، فالإيمان ليس كلمات تقال، بل مواقف تتخذ، ويد تمد، وقلب يشعر بغيره، إن التخفيف عن الناس، ولو بكلمة طيبة أو مساعدة يسيرة، قد يكون فرقا بين اليأس والأمل، بين الانكسار والصبر.
وفي النهاية، يبقى حال الناس مرآة لضمير المجتمع كله، فإن صلحت الرحمة في القلوب، خف الألم، وإن مات الضمير، صار الواقع أشد قسوة من أن يحتمل، وحينها، حقا، يصعب حال الناس على الكافر قبل المؤمن.