الدكتورة نها حمدي
بقلم : الدكتورة نها حمدي
في خضم الجدل الدائر حول قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً، وما صاحبه من اعتراضات ومخاوف لدى البعض، أجد نفسي أمام مسؤولية أن أطرح وجهة نظر قد تختلف مع كثيرين، لكنها تنطلق من منطق بسيط وإيمان عميق.
أولًا، دعونا نتفق أن الرزق بيد الله وحده، مُقدّر لكل إنسان، لن يأخذه غيره، ولن يفوته ما كُتب له. وإذا كانت جميع المحال تُغلق في توقيت واحد، فكيف يُقال إن الرزق سيُقطع؟! ببساطة، من يحتاج إلى سلعة سيأتي قبل موعد الغلق، أو ينتظر لليوم التالي… فالرزق لا يضيع، بل يتأجل.
ومن المهم أيضًا تصحيح مفهوم شائع؛ ما يحدث ليس “حظرًا” كما يردد البعض، بل “تنظيم لمواعيد الغلق”. فالحظر يعني منع الحركة تمامًا، بينما الواقع يسمح بالتنقل ويفتح المجال للخدمات الأساسية كالصيدليات والسوبر ماركت.
لكن دعونا نبتعد قليلًا عن الجانب المادي، وننظر إلى الصورة الأكبر… إلى “نصف الكوب الممتلئ”.
هذا القرار – من وجهة نظري – فرصة حقيقية لإعادة بناء ما فقدناه داخل بيوتنا. فرصة لعودة “اللمة” التي غابت، والحوارات التي انقطعت، والعلاقات التي أرهقها الانشغال والسهر خارج المنزل.
كم من أب كان يتمنى الجلوس مع أبنائه؟
كم من أسرة افتقدت لحظات بسيطة من الدفء؟
لقد اعتدنا لسنوات على ثقافة السهر، حتى أصبح الليل هو وقت الحياة الحقيقي، بينما تحوّل النهار إلى مجرد عبور سريع. لكن، هل كان ذلك صحيًا؟ هل أضاف لحياتنا استقرارًا أو بركة؟
الحقيقة أننا كنا بحاجة إلى وقفة… إلى إعادة ترتيب أولوياتنا.
فالليل خُلق للسكن والراحة، والنهار للسعي والعمل.
نعم، التغيير صعب، ومن الطبيعي أن يُقابل بالرفض في البداية، خاصة مع القلق المشروع لدى أصحاب المحال حول الدخل والالتزامات. لكن مع الوقت، سيعتاد الجميع، وستتوازن الأمور، وربما نكتشف أن ما كنا نظنه خسارة، كان في حقيقته مكسبًا أكبر.
قد يكون المتضرر الأكبر هم أماكن السهر التي كانت تستنزف الوقت دون هدف، لكن في المقابل، مصلحة البيوت وتماسك الأسرة تظل أولوية لا تقارن.
اليوم، نحن أمام فرصة حقيقية…
فرصة لإصلاح ما أفسدته ضغوط الحياة،
وفرصة لإعادة بناء أجيال على القيم والاهتمام والاحتواء.
لكن يبقى السؤال الأهم:
هل سنستغل هذه الفرصة فعلًا؟
أم سنتركها تمر كما مر غيرها؟
الأمر الآن في أيدينا…
فالمحلات أُغلقت…
لكن الأهم أن تفتح البيوت أبوابها من جديد.