عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يعكس جدية الدولة المصرية في الارتقاء بمنظومتها الصحية، تتواصل جهود وزارة الصحة والسكان لوضع استراتيجية وطنية متكاملة لعلاج الحروق، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء القطاع الصحي. هذه الخطوة تمثل تحولاً نوعياً في التعامل مع واحدة من أخطر الإصابات الطبية وأكثرها تعقيداً، حيث لا تقتصر الرؤية على العلاج فقط، بل تمتد لتشمل الوقاية والتأهيل والدعم النفسي، بما يضمن تقديم رعاية شاملة تنقذ الأرواح وتعيد الأمل لآلاف المصابين في مختلف أنحاء الجمهورية.

تأتي صياغة هذه الاستراتيجية في إطار توجيهات القيادة السياسية التي تضع صحة المواطن على رأس أولوياتها، وتسعى إلى بناء نظام صحي متكامل قادر على مواجهة التحديات الطارئة والمزمنة. وقد كثفت الإدارة المركزية للرعاية الحرجة والعاجلة جهودها بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، في خطوة تعكس أهمية الشراكات الدولية في نقل الخبرات وتطبيق أفضل الممارسات العالمية، بما يضمن تحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة لمرضى الحروق في مصر.
وفي هذا السياق، عقدت وزارة الصحة ورشة عمل موسعة جمعت نخبة من ممثلي الجهات المعنية، من بينها المجلس الصحي المصري ووزارة الداخلية والهيئة الطبية للقوات المسلحة ومؤسسة أهل مصر وجامعة الأزهر. وشهدت الورشة نقاشات معمقة تهدف إلى تبادل الخبرات ووضع آليات دقيقة لتصنيف حالات الحروق، إلى جانب تصميم منظومة مميكنة لتحويل المرضى وفق درجة الخطورة، بما يسهم في تسريع تقديم الخدمة وضمان توجيه كل حالة إلى الجهة الأنسب لعلاجها بكفاءة.
كما تناولت الورشة عدداً من المحاور الرئيسية التي تشكل الركيزة الأساسية للاستراتيجية، حيث شملت تطوير الخدمات العلاجية والرعاية الطبية، وتعزيز برامج الوقاية والتوعية المجتمعية للحد من حوادث الحروق، إلى جانب الاستثمار في تنمية القوى البشرية من خلال التدريب المستمر للكوادر الطبية. ولم تغفل الاستراتيجية أهمية تحديث البنية التحتية والتكنولوجيا الطبية، فضلاً عن دعم برامج التأهيل وإعادة دمج المصابين في المجتمع، بما يحقق لهم حياة كريمة بعد التعافي.
وتستهدف الاستراتيجية رفع كفاءة 53 وحدة ومركز حروق موزعة على 20 محافظة، عبر تزويدها بأحدث الأجهزة والمستلزمات الطبية، وتحسين جاهزيتها لاستقبال الحالات الطارئة. كما تسعى إلى تعزيز منظومة الاستجابة السريعة، بما يقلل من زمن التدخل الطبي ويحد من المضاعفات الخطيرة التي قد تهدد حياة المصابين. وتأتي هذه الجهود في إطار رؤية شاملة تهدف إلى خفض معدلات الوفيات وتحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة.
وفي خطوة عملية تعكس بدء تنفيذ الاستراتيجية على أرض الواقع، أعلنت الوزارة عن قرب افتتاح مركز متطور لعلاج الحروق بمستشفى بولاق العام، مجهز بعدد من أسرة الرعاية المركزة والمتوسطة، إلى جانب افتتاح قسم جديد للحروق بمستشفى طنطا العام. كما تم دعم 25 مستشفى بأجهزة حديثة، ما يعزز من قدرة المنظومة الصحية على التعامل مع الحالات الحرجة بكفاءة، ويؤكد التزام الدولة بتوسيع نطاق الخدمات الطبية المتخصصة في هذا المجال الحيوي.
ومن جانبه، أكد د. محمد الصدفي رئيس الإدارة المركزية للرعاية العاجلة والحرجة، تعمل الإدارة المركزية للرعاية الحرجة والعاجلة على توحيد البروتوكولات العلاجية وفق أحدث المعايير العالمية، مع التركيز على تدريب الكوادر الطبية وتأهيلها للتعامل مع مختلف درجات الحروق. كما يتم تعزيز منظومة الطوارئ عبر الخطوط الساخنة، وتطبيق نظام مميكن لتحويل المرضى، إلى جانب تقديم الدعم النفسي لهم، إدراكاً لأهمية الجانب الإنساني في رحلة العلاج، وضمان تقديم رعاية متكاملة تحقق أفضل النتائج الممكنة.
تعكس الاستراتيجية الوطنية للحروق رؤية مصرية طموحة نحو نظام صحي أكثر كفاءة واستدامة، قادر على مواجهة التحديات وإنقاذ الأرواح بأحدث الأساليب العلمية. ومع استمرار التعاون الدولي وتكامل الجهود بين مختلف الجهات، تفتح هذه المبادرة آفاقاً جديدة لتحسين جودة الحياة لمصابي الحروق، وتؤكد أن الاستثمار في الصحة هو استثمار في مستقبل الوطن، حيث تصبح الرعاية المتقدمة حقاً أصيلاً لكل مواطن في كل شبر من أرض مصر.