عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد يعكس تحوّلًا نوعيًا في منظومة الرعاية الصحية بمصر، انطلقت فعاليات المؤتمر المصري الدولي التاسع للسكتة الدماغية، والذي يُعد المؤتمر القومي الأول للشبكة القومية للسكتة الدماغية، تحت رعاية الاستاذ الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، وبمشاركة نخبة من كبار الأطباء والخبراء. جاء المؤتمر ليؤكد أن التعامل مع السكتة الدماغية لم يعد مجرد تدخل طبي، بل منظومة متكاملة تبدأ بالوعي وتنتهي بالتأهيل، في سباق حاسم مع الزمن لإنقاذ الأرواح وتقليل الإعاقات.
شهدت الجلسة الافتتاحية حضورًا واسعًا من ممثلي الجهات الصحية المختلفة، بالتعاون مع الجمعية المصرية للأمراض العصبية والنفسية وجراحة المخ والأعصاب، حيث تم تسليط الضوء على أهمية التكامل بين المؤسسات الصحية في مواجهة أحد أخطر التحديات الطبية. وأكد المشاركون أن السكتة الدماغية تمثل عبئًا صحيًا واقتصاديًا كبيرًا، ما يستدعي تحركًا وطنيًا منظمًا لتطوير آليات التشخيص والعلاج، خاصة في ظل تزايد معدلات الإصابة عالميًا ومحليًا.

من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور حسام عبدالغفار مساعد وزير الصحة والمتحدث الرسمي، أن السكتة الدماغية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعامل الوقت، مشيرًا إلى أن “الدقائق الأولى قد تحدد مصير المريض بالكامل”. وأوضح أن سرعة الاستجابة تعتمد على وعي المواطنين بالأعراض، إلى جانب وجود نظام إحالة موحد يضمن وصول المريض إلى أقرب مركز يقدم خدمة علاجية عالية الجودة، وهو ما تعمل الدولة على تحقيقه من خلال الشبكة القومية.

وفي سياق متصل، شدد الاستاذ الدكتور حسام صلاح عميد كلية الطب بجامعة القاهرة ورئيس المؤتمر، على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص مقدمي الخدمة، بل في كيفية توحيد جهودهم ضمن منظومة واحدة متكاملة. وأشار إلى أن هناك جهات متعددة تقدم خدمات علاج السكتة الدماغية، من بينها وزارة الصحة، ومستشفيات القوات المسلحة، والشرطة، والهيئات المختلفة، إلا أن غياب التنسيق الكامل كان يمثل عائقًا أمام تحقيق أفضل النتائج للمريض.
وأوضح “صلاح” أن الخطة الخمسية للشبكة القومية تستهدف ربط جميع مقدمي الخدمة من جنوب مصر إلى شمالها، بما يضمن سرعة نقل الحالات وتبادل البيانات بشكل لحظي. كما لفت إلى وجود تحديات تتعلق بتدريب المسعفين ومدخلي البيانات، مؤكدًا أن تطوير العنصر البشري لا يقل أهمية عن توفير الأجهزة الطبية الحديثة، خاصة في حالات الطوارئ التي تتطلب دقة وسرعة في اتخاذ القرار.
كما أكد اللواء أحمد النمر استشاري المخ والأعصاب بالخدمات الطبية للقوات المسلحة، أن شبكة المستشفيات العسكرية تلعب دورًا محوريًا في علاج السكتة الدماغية، حيث تستقبل نسبة كبيرة من المرضى، موضحًا أن 40% من الحالات عسكرية و60% مدنية. وأشار إلى أن هذه المستشفيات تطبق أحدث نظم العلاج، بما في ذلك تقنيات التشخيص والعلاج عن بُعد، بما يضمن سرعة التدخل وتقليل المضاعفات.
كما أضاف اللواء طبيب نبيل فكري أن مستشفيات الشرطة تبنت نهجًا إنسانيًا متكاملًا في التعامل مع المرضى، مؤكدًا أنه “لا يوجد فرق بين مريض وآخر، سواء كان عسكريًا أو مدنيًا”. وأوضح أن وزارة الداخلية عملت على إنشاء وحدات متكاملة لعلاج السكتة الدماغية داخل مستشفياتها، مع التركيز على التدريب المستمر للأطقم الطبية، بما يواكب أحدث البروتوكولات العالمية.
وشدد المشاركون على أهمية توحيد البروتوكولات العلاجية بين مختلف الجهات، لضمان تقديم خدمة طبية متكافئة لجميع المرضى، إلى جانب التوسع في استخدام تقنيات الطب عن بُعد، التي تمثل حلًا فعالًا لتقليل الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية. كما أكدوا أن نجاح الشبكة القومية يعتمد على تكامل الأدوار بين جميع الكيانات، من خلال تبادل الخبرات والبيانات، بما يسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية على مستوى الجمهورية.
وجدير بالذكر ان، فعاليات المؤتمر تؤكد على أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا في إنشاء وحدات السكتة الدماغية بمختلف المحافظات، مع إطلاق حملات توعوية مكثفة لتعريف المواطنين بأعراض المرض وطرق التعامل السريع معه. وأجمع الحضور على أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة قوية نحو بناء نظام صحي متكامل قادر على مواجهة هذا التحدي، في إطار رؤية الدولة للارتقاء بالخدمات الطبية وتحقيق العدالة الصحية.
يبقى الرهان الحقيقي في معركة السكتة الدماغية هو كسب الوقت، وتوحيد الجهود، وتعزيز الوعي المجتمعي. ومع إطلاق الشبكة القومية للسكتة الدماغية، تكتب مصر فصلًا جديدًا في تاريخ الرعاية الصحية، عنوانه التكامل والسرعة والإنقاذ. إنها معركة تُخاض كل ثانية، لكن بإرادة العلم والتنظيم، يمكن تحويلها من خطر قاتل إلى قصة نجاة تُروى.