في كل المجتمعات تبقى مهنة الطب واحدة من أكثر المهن قدسية واحترامًا، لأنها لا ترتبط بالنجاح الشخصي أو المكانة الاجتماعية فقط، بل ترتبط مباشرة بحياة الإنسان.
الطبيب الحقيقي لا يحمل مجرد شهادة جامعية، بل يحمل مسؤولية أخلاقية وعلمية وإنسانية ضخمة، لذلك كانت كليات الطب عبر التاريخ من أصعب الكليات وأكثرها اعتمادًا على الكفاءة والانضباط والقدرة الحقيقية على التعلم وتحمل الضغوط.
لكن ما يحدث خلال السنوات الأخيرة يفرض سؤالًا شديد الخطورة:
هل أصبح الطب في نظر البعض مجرد «لقب اجتماعي» يمكن الحصول عليه بأي وسيلة، حتى لو كانت النتيجة طبيبًا غير مؤهل يهدد حياة الناس؟
للأسف، الإجابة أصبحت واضحة ومؤلمة.
فقد تحولت فكرة دخول كلية الطب لدى بعض الأسر إلى معركة كرامة اجتماعية، لا علاقة لها بقدرات الأبناء أو ميولهم الحقيقية أو مستوى تأهيلهم العلمي.
المهم أن يصبح الابن «دكتور»، حتى لو كان مجموعه في الثانوية العامة لا يؤهله أصلًا لفهم أبسط أساسيات العلوم الطبية، وحتى لو كان غير قادر على تحمل طبيعة الدراسة الشاقة أو المسؤولية الإنسانية للمهنة.
وهنا تبدأ أولى حلقات الأزمة.
بدلًا من الاعتراف بأن لكل طالب قدراته ومساره المناسب، يبدأ بعض أولياء الأمور رحلة البحث عن أي طريق بديل يمنح الابن لقب الطبيب، فتظهر الجامعات الخارجية كحل سهل وسريع، خاصة في بعض الدول التي تحولت بالنسبة للبعض إلى «بوابة خلفية» لتحقيق حلم الطب بعيدًا عن معايير التنافس الحقيقية.
سافر آلاف الطلاب إلى الخارج، ليس لأنهم متفوقون أو مؤهلون علميًا، بل لأن أسرهم تمتلك القدرة المادية فقط.
وهنا ظهرت واحدة من أخطر صور غياب العدالة التعليمية، حيث أصبح المال لدى البعض وسيلة للالتفاف على قواعد الكفاءة.
ثم جاءت الصدمة الكبرى.
اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية أعاد آلاف الطلاب إلى مصر، لتنفجر الأزمة أمام المجتمع بالكامل.
فجأة اكتشف الجميع حجم المشكلة الحقيقي، واكتشف الرأي العام أن هناك أعدادًا كبيرة من الطلاب يواجهون تعثرًا علميًا حادًا، وضعفًا أكاديميًا واضحًا، ورسوبًا متكررًا، رغم أنهم يدرسون في كليات يفترض أنها تُخرج أطباء المستقبل.
لكن الكارثة لم تتوقف هنا.
بدلًا من مراجعة التجربة بصدق، ومحاسبة النفس، والاعتراف بأن هناك مشكلة حقيقية، استمرت الضغوط والمحاولات لإيجاد أي حلول استثنائية فقط من أجل أن يحصل الابن على الشهادة في النهاية.
وساطات، وضغوط اجتماعية، ومطالب بتسهيلات غير منطقية، وكأن القضية مجرد ورقة تخرج، وليست أرواح بشر سيقف هذا الشخص مسؤولًا عنها يومًا ما.
وهنا تظهر أخطر جملة يمكن أن تصف المشهد بالكامل: «أنا ومن بعدي الطوفان».
فالبعض لا يفكر في مستوى الطبيب الذي سيتعامل مع المرضى مستقبلًا، ولا في سمعة المنظومة الطبية، ولا في حجم الخطر الذي قد يسببه طبيب غير مؤهل داخل غرفة العمليات أو أقسام الطوارئ أو العيادات. كل ما يشغلهم أن يحصل الابن على لقب «دكتور» بأي ثمن.
لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن الطب ليس مهنة يمكن فيها المجاملة أو التساهل.
الخطأ في أي مجال آخر قد يؤدي إلى خسارة مادية، أما الخطأ الطبي فقد يؤدي إلى فقدان إنسان لحياته.
المؤلم أكثر أن هذه الأزمة كشفت خللًا أعمق داخل المجتمع، يتعلق بثقافة تقديس بعض الكليات والنظر إليها باعتبارها معيارًا وحيدًا للنجاح.
فأصبح الطالب الذي لا يدخل طب أو هندسة يُنظر إليه أحيانًا وكأنه فشل، رغم أن الدول المتقدمة تُبنى على تنوع التخصصات والمهارات، لا على تكديس أعداد هائلة داخل مهنة واحدة.
الحقيقة المؤلمة أيضًا أن بعض الأسر تدمر أبناءها نفسيًا قبل علميًا، عندما تدفعهم إلى طريق لا يناسبهم أصلًا.
فليس كل شخص مؤهلًا لأن يكون طبيبًا، تمامًا كما ليس كل شخص مؤهلًا لأن يكون قاضيًا أو مهندسًا أو طيارًا.
النجاح الحقيقي يبدأ حين يعمل الإنسان في المجال الذي يمتلك فيه القدرة والشغف والكفاءة.
كما أن استمرار تخريج أطباء غير مؤهلين لا يضر المرضى فقط، بل يظلم أيضًا آلاف الطلاب المجتهدين الذين بذلوا سنوات طويلة من التفوق الحقيقي والتدريب الشاق من أجل الوصول إلى هذه المهنة بجدارة.
فحين تختلط الكفاءة بالمجاملات، يفقد المجتمع ثقته تدريجيًا في الجميع.
ولا يمكن تجاهل مسؤولية بعض المؤسسات التعليمية التي سمحت في فترات معينة بتحويل التعليم إلى «سوق مفتوح»، هدفه الأساسي تحقيق المكاسب المادية دون النظر الكافي إلى جودة الخريجين أو مستوى التأهيل الحقيقي.
فالجامعة التي تُخرج طبيبًا غير مؤهل لا ترتكب خطأ أكاديميًا فقط، بل ترتكب جريمة أخلاقية في حق المجتمع.
إن إصلاح هذه الأزمة لا يبدأ فقط من القوانين أو اللوائح، بل يبدأ من تغيير الثقافة نفسها.
يجب أن يتوقف المجتمع عن التعامل مع مهنة الطب باعتبارها مجرد «برستيج اجتماعي»، وأن يدرك الجميع أن احترام أي مهنة يأتي من الإتقان، لا من الاسم.
كما يجب أن تكون هناك رقابة صارمة على مستوى التعليم الطبي، ومعايير واضحة لا يمكن تجاوزها تحت أي ضغط، لأن صحة الناس ليست مجالًا للتجارب أو المجاملات أو تحقيق الأحلام الشخصية.
في النهاية، أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول أهم المهن الإنسانية إلى مجرد ألقاب اجتماعية تُشترى بالمال أو الضغوط أو الوساطات.
وعندما يصبح البعض مستعدًا للمغامرة بحياة البشر فقط من أجل تحقيق رغبة شخصية، هنا تتحول مقولة «أنا ومن بعدي الطوفان» من مجرد تعبير مجازي إلى واقع يهدد الجميع.