كتبت/ أسماء عبد المنعم
في زمن أصبحت فيه الكلمة سريعة الاستهلاك، والنجاح يُقاس بعدد المشاهدات والانتشار اللحظي، يبرز اسم الشاعر والإعلامي محمود طاهر كواحد من الأصوات التي ما زالت تؤمن بأن للكلمة رسالة، وللشعر أثرًا أبقى من ضجيج “الترند”.
استطاع محمود طاهر أن يصنع لنفسه حالة خاصة تجمع بين عالم الإعلام الصاخب وروح الشاعر المتأمل، فكان نموذجًا للمبدع الذي يرى أن المهنة لا تقتل الإحساس، بل قد تمنحه عمقًا إضافيًا إذا امتلك صاحبها الشغف الحقيقي.

– الإعلام والشعر.. رحلة تكامل لا صراع.
يرى محمود طاهر أن سر نجاحه في الجمع بين الإعلام والشعر يعود إلى حبه العميق لما يقدمه، مؤكدًا أن الإنسان عندما يعمل فيما يحب يصبح أكثر قدرة على الإبداع والتأثير.
وأوضح أن الإعلام لم يكن يومًا منافسًا للشعر داخل روحه، بل تحوّل إلى مساحة داعمة له، خاصة فيما يتعلق بالرصد والصياغة والدقة والاستعداد والتنظيم، وهي العناصر التي يعتبرها أساسًا لأي مشروع إبداعي ناجح.
وأشار إلى أن التجربة الإعلامية منحته قدرة أكبر على ملامسة قضايا الناس والتعبير عنها بوعي وإنسانية، بينما منح الشعر للإعلامي داخله حسًا مختلفًا في التقاط التفاصيل وصناعة التأثير.
-لماذا يظل الشعر الأقرب إلى قلبه؟
ورغم بداياته في كتابة الأغاني، يؤكد محمود طاهر أن الشعر يظل الأقرب إلى روحه، لأنه المساحة التي يستطيع من خلالها التعبير بحرية كاملة عن أفكاره وقناعاته ومشاعره الإنسانية دون أي حسابات أخرى.
وقال إن كتابة الأغنية أحيانًا تخضع لمعادلات السوق والمنافسة والترند، وهو ما يجعل “الصنعة” حاضرة بشكل أكبر، بينما يمنحه الشعر فرصة البوح الحقيقي والتعبير الصادق عن حالته الوجدانية.
-الأغنية الحقيقية لا تموت
وعن سر الإحساس الموجود في كلمات أغانيه، أوضح أن الشاعر الغنائي يعتمد على مصدرين أساسيين؛ الأول هو تجاربه الشخصية ومشاعره الخاصة، والثاني ما وصفه بـ”الذاكرة الشعورية”، التي تختزن مواقف وتجارب من الواقع والقراءة والدراما والسينما.
وأكد أن نجاح الأغنية لا يرتبط فقط بحجم انتشارها، بل بقدرتها على البقاء في ذاكرة الجمهور، مشددًا على أن الأعمال التي تُبنى فقط على فكرة “الترند” تختفي سريعًا مهما حققت من أرقام ومشاهدات.
-“فقرة من كتاب الموتى”.. مشروع شعري مختلف
وتحدث محمود طاهر عن ديوانه “فقرة من كتاب الموتى”، مؤكدًا أنه من أكثر الأعمال قربًا إلى قلبه، حيث بدأ المشروع كنص شعري واحد قبل أن يتحول إلى ديوان كامل كُتب خلال ستة أيام متواصلة من الإلهام والتركيز.


وأوضح أن الديوان يناقش قضايا إنسانية معاصرة مثل الحرب والسلام، والأمراض المستحدثة، وتجديد الخطاب الديني، والحب والوطن، لكن من خلال إسقاطات مستوحاة من رموز الميثولوجيا المصرية القديمة وقصة إيزيس وأوزوريس.
ويرى أن هذا العمل يمثل جانبًا فكريًا مختلفًا من تجربته الشعرية، ويكشف قدرته على المزج بين الرمز والأسطورة والواقع المعاصر.
– كواليس أغنية “الفرج” لمؤسسة حياة كريمة
وكشف الشاعر والإعلامي محمود طاهر تفاصيل مشاركته في كتابة أغنية “الفرج/ التلقيمة” الخاصة بمؤسسة حياة كريمة، والتي قُدمت ضمن فعاليات المؤسسة.
وأوضح أن مشاركته جاءت بعد ترشيحه من المخرج هاشم طاهر، بالتعاون مع الملحن أحمد مصطفى والموزع إسلام كيلاني.
وأشار إلى أنه حرص أثناء كتابة الأغنية على دراسة أهداف المؤسسة ورسائلها الإنسانية، بالإضافة إلى طبيعة صوت المطربة الحاجة نبيلة، حتى تخرج الكلمات صادقة وقريبة من الناس.

-أعمال رومانسية جديدة.. وتعاون مرتقب مع سيف الشريف
وأكد محمود طاهر أنه انتهى من تجهيز مجموعة من الأغاني الرومانسية بالتعاون مع عدد من الملحنين والموزعين، معربًا عن رغبته في تقديم أعمال فنية مع كبار نجوم الغناء، مثل مدحت صالح وتامر حسني وتامر عاشور ومحمد حماقي وآمال ماهر ومي فاروق وكارول سماحة وجنات.
كما كشف عن تعاون فني مرتقب مع المطرب الصاعد سيف الشريف، مؤكدًا أنه سيكون اسمًا مختلفًا في عالم أغاني البوب خلال الفترة المقبلة.
– هل ما زال الشعر قادرًا على التأثير؟
ويرى محمود طاهر أن الشعر سيظل حاضرًا ومؤثرًا مهما تغيّرت الوسائل والمنصات، مؤكدًا أن استمرار الشعر لأكثر من ألفي عام دليل واضح على قوته وقدرته على البقاء.
لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يقترب الشعر الحديث من طبيعة مستخدمي السوشيال ميديا، من خلال التكثيف والبساطة والحداثة، دون التخلي عن القيمة الفنية والعمق الحقيقي للقصيدة.
– أزمة الشعراء الشباب
وعبّر محمود طاهر عن حزنه بسبب عدم حصول الشعراء الشباب على فرصتهم الكاملة في الظهور، معتبرًا أن غياب الدعم الحقيقي للمواهب فتح المجال أمام انتشار بعض الأصوات غير المؤهلة، وهو ما أثر على الذائقة العامة وأضعف حضور الشعر الحقيقي.
– أي دواوينه يشبهه أكثر؟
وعن أقرب أعماله إليه، أوضح أن كل ديوان يمثل جانبًا مختلفًا من شخصيته؛ فديوان “من خيمة رسول الله” يعبر عن روحه، بينما يجسد “هلوسة العاشق” جانبه العاطفي، ويقترب “للبوح” من حالته الفلسفية والوجدانية، في حين يعكس “فقرة من كتاب الموتى” رؤيته الفكرية والتحليلية.
-“الفيلم الشعري”.. مشروعه الأدبي الجديد
وكشف محمود طاهر عن مشروع أدبي جديد يعمل عليه حاليًا تحت اسم “الفيلم الشعري”، وهو نوع مختلف من نصوص شعر الفصحى، مؤكدًا أن العمل اكتمل بالفعل ويستعد لطرحه قريبًا، في تجربة يتوقع أن تحمل شكلًا جديدًا ومختلفًا للقصيدة العربية الحديثة.
-“الحكمة”.. الأثر الذي يسعى لتركه
وفي ختام حديثه، اختصر محمود طاهر الرسالة التي يتمنى أن تبقى في ذاكرة الناس بكلمة واحدة: “الحكمة”.
واستشهد بقوله تعالى:
> “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”.
ليؤكد أن الكلمة الحقيقية ليست مجرد كتابة، بل أثرٌ يبقى، ورسالةٌ تعيش، وحكمةٌ تلامس القلوب قبل العقول.