منى حسين
تدفع واشنطن المنطقة كلها نحو حافة اشتعال جديد، بينما تتحرك طهران بثقة أكثر وضوحًا، وكأنها ترسل رسالة مباشرة مفادها أن زمن الانكسار انتهى، وأن سنوات الحصار والعقوبات والقصف لم تنجح فى كسر البنية الصلبة للدولة الإيرانية. وبين التهديدات المتلاحقة التى يطلقها ترامب، ومحاولات فرض اتفاق بالقوة خلال أيام معدودة، تتشكل أمام العالم معادلة أكثر تعقيدًا، عنوانها أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة سهلة للابتزاز السياسى أو العسكرى، وأن أى مغامرة جديدة قد تشعل المنطقة بأكملها.
مهلة مشتعلة
تتعامل طهران مع مهلة ترامب الأخيرة باعتبارها جزءًا من حرب نفسية طويلة، وليست إنذارًا حقيقيًا لحرب شاملة. فالإدارة الأمريكية تدرك جيدًا أن فتح مواجهة واسعة مع إيران لن يكون نزهة عسكرية، بل استنزافًا قد يمتد لسنوات ويهدد الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة وخطوط الملاحة الدولية.
وفى المقابل، تدير إيران المشهد بعقلية الدولة التى اعتادت الضغوط، لذلك تبدو أكثر هدوءًا فى العلن، وأكثر استعدادًا خلف الستار. فالرسائل الإيرانية الحالية لا تعتمد فقط على التصريحات السياسية، لكنها ترتكز على إعادة ترميم أدوات الردع العسكرية بوتيرة سريعة أربكت الحسابات الغربية نفسها.
قدرات مرنة
تكشف التقديرات الأمنية الغربية أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تحقق الهدف الاستراتيجى الذى جرى الترويج له، وأن جزءًا معتبرًا من البنية العسكرية الإيرانية ما زال يعمل بكفاءة. وهنا تكمن خطورة المشهد، لأن إيران لم تبنِ صناعاتها العسكرية وفق النموذج التقليدى القائم على القواعد الضخمة والمصانع المكشوفة، لكنها اعتمدت على الانتشار والتوزيع والتشغيل اللامركزى.
هذا الأسلوب جعل استهداف القدرات الإيرانية بالكامل أمرًا شبه مستحيل، كما منح طهران قدرة عالية على التعافى السريع. ولذلك تبدو واشنطن اليوم أمام مأزق حقيقى، فالقصف الجوى قادر على الإزعاج والتعطيل المؤقت، لكنه غير قادر على إنهاء المشروع العسكرى الإيرانى بصورة كاملة.
خد
تحتفظ إيران بأخطر أوراق الضغط فى المنطقة، وهى السيطرة غير المباشرة على إيقاع الملاحة داخل مضيق هرمز. وهذه الورقة تجعل أى قرار أمريكى بالتصعيد محفوفًا بمخاطر اقتصادية عالمية ضخمة، لأن تعطيل حركة النفط أو تهديد الناقلات يعنى انفجارًا فوريًا فى أسعار الطاقة وارتباكًا حادًا فى الأسواق الدولية.
ولهذا تتحرك واشنطن بحذر شديد رغم لغة التهديد. فالمواجهة مع إيران لم تعد مجرد صراع مع دولة إقليمية، لكنها باتت مرتبطة بشبكات دعم ممتدة من موسكو إلى بكين، وهو ما يزيد تكلفة الحرب ويجعلها أكثر تعقيدًا من أى حسابات انتخابية أو استعراضات سياسية أمريكية.
دولة عميقة
يرى اللواء يونس السبكي أن أخطر ما تواجهه واشنطن حاليًا ليس الصواريخ الإيرانية وحدها، بل طبيعة الدولة الإيرانية نفسها، مؤكدًا أن النظام هناك لا يقوم على شخص واحد يمكن إسقاطه أو عزله، وإنما على شبكة مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية وعقائدية مترابطة تضمن استمرار الدولة حتى فى أصعب الظروف.
ويضيف أن التجارب السابقة أثبتت أن الضغوط الخارجية غالبًا ما تدفع النخبة الإيرانية إلى مزيد من التماسك، وليس الانقسام، لأن الجميع داخل النظام يدرك أن أى انهيار شامل يعنى نهاية كاملة لمراكز النفوذ القائمة.
حرب نفسية
تبدو التسريبات الأمريكية الأخيرة بشأن تحركات داخلية وشخصيات إيرانية سابقة جزءًا من عملية ضغط نفسى واستخباراتى تستهدف إرباك الداخل الإيرانى أكثر من كونها مشروعًا حقيقيًا لتغيير السلطة. فواشنطن تدرك أن اختراق الجبهة الداخلية قد يكون أقل تكلفة من الحرب المباشرة.
لكن هذه الرهانات تصطدم بحقيقة أخرى، وهى أن المجتمع الإيرانى رغم أزماته الاقتصادية وخلافاته السياسية، يمتلك حساسية شديدة تجاه أى تدخل خارجى. ولذلك فإن قطاعات واسعة من الإيرانيين قد تختلف مع السلطة، لكنها ترفض فى الوقت نفسه فكرة فرض التغيير عبر الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية.
رفض داخلى
تؤكد المحللة السياسية مها الشريف أن الإدارة الأمريكية تراهن على إنهاك الداخل الإيرانى اقتصاديًا ونفسيًا لدفعه نحو الانفجار، إلا أن هذا السيناريو لا يبدو مضمونًا حتى الآن، لأن أجواء التهديد الخارجى تمنح النظام قدرة أكبر على تعبئة الشارع خلف فكرة الدفاع عن السيادة الوطنية.
وترى أن واشنطن أخطأت فى تصورها بأن الضغوط المعيشية وحدها كافية لإسقاط تماسك الدولة الإيرانية، خاصة أن الذاكرة السياسية للإيرانيين ما زالت تحمل حساسية كبيرة تجاه أى مشروع خارجى لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة.
براجماتية قلقة
الواقع الحالى يؤكد أن الطرفين يتحركان فوق حافة اشتعال مفتوح، لكن دون رغبة حقيقية فى الانفجار الكامل. فواشنطن تريد اتفاقًا يضمن احتواء المشروع النووى الإيرانى دون التورط فى حرب استنزاف طويلة، بينما تسعى طهران إلى تثبيت معادلة الردع وفرض الاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط المتبادلة، والرسائل العسكرية المحدودة، والمناورات السياسية السرية، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، إلا إذا خرجت الحسابات عن السيطرة فى لحظة توتر مفاجئة.
معادلة الردع
تبقى الحقيقة الأهم أن الشرق الأوسط يقف الآن أمام معادلة جديدة مختلفة تمامًا عما كان قائمًا قبل سنوات. فإيران لم تعد الدولة المحاصرة التى تنتظر شروط الآخرين، وواشنطن لم تعد تمتلك رفاهية الحروب المفتوحة بلا تكلفة.
ومن هنا، تتحول الأزمة الحالية إلى اختبار ثقيل للإرادة السياسية والعسكرية للطرفين؛ اختبار تدرك فيه طهران أن الصمود وحده يمنحها مساحة النفوذ، بينما تدرك واشنطن أن أى خطأ فى الحسابات قد يشعل المنطقة كلها بنيران يصعب إخمادها.