لا تولد الأيام العظيمة في تاريخ الأمم مصادفة، بل تصنعها إرادة الشعوب وحنكة القادة. وفي تاريخ مصر الحديث، يقف يوم 5 يونيو 1975 شاهدًا على عبقرية القرار المصري، وتحويل جرح الماضي إلى فخر حاضر ومستقبل. فبعد ثماني سنوات من الإغلاق المرير الذي فرضه عدوان عام 1967، عادت قناة السويس لتفتح ذراعيها للعالم أجمع، ليس فقط كشريان للملاحة الدولية، بل كراية عز كُتبت بدماء شهداء حرب أكتوبر المجيدة عام 1973.
** من مأساة 1967 إلى ملحمة العبور في 1973
عقب نكسة يونيو 1967، تحولت قناة السويس من ممر تجاري عالمي إلى خط مواجهة مشتعل، وتوقفت حركة الملاحة تمامًا، مما كبّد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة وعزل الشرق عن الغرب. وظن العدو الإسرائيلي أن تحصيناته على الضفة الشرقية (خط بارليف) ستجعل من القناة حاجزًا لا يُقهر.
ولكن، في السادس من أكتوبر 1973، حطم الجيش المصري هذه الأسطورة الواهية في معركة الكرامة والعزة. لم يكن النصر الساحق مجرد استرداد للأرض، بل كان مفتاحًا لاستعادة الهيبة والسيادة الكاملة على المقدرات المصرية، وفي مقدمتها قناة السويس.
** العبقرية السياسية والمكر العسكري والسياسى لأنور السادات
بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها، وبدأت ملامح النصر تتضح، لم ينتظر الرئيس الراحل محمد أنور السادات كثيرًا؛ إذ أصدر بتوجيهات فورية للمسؤولين والهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع هيئة قناة السويس للبدء فورًا في تطهير المجرى الملاحي.
كانت المهمة أشبه بمعجزة؛ فالقناة كانت مليئة بالألغام، والقنابل غير المنفجرة، والسفن الغارقة نتاج سنوات الحرب. وبسواعد مصرية صلبة، جرى تنظيف الشريان المائي ليكون جاهزًا لاستقبال التجارة العالمية.
** الضربة الدبلوماسية والنفسية الكبرى: لم يكن اختيار السادات ليوم 5 يونيو لإعادة افتتاح القناة عشوائيًا، بل كان اختيار القائد “الماكر” الذي يعرف كيف يدير الحرب النفسية. فاختيار ذات التاريخ الذي شهد نكسة 1967 ليكون يومًا لإعادة الافتتاح عام 1975، كان بمثابة محوٍ كامل لآثار الهزيمة، وتحويل ذكرى الألم إلى عيد قومي مصري وعالمي.
** 5 يونيو 1975: العالم يحتفل في قلب القناة
في ذلك اليوم المشهود، ارتدى الرئيس السادات البدلة البحرية البيضاء، وصعد على متن المدمرة “أكتوبر” (التي كانت تُسمى ليدر سابقًا)، ومعه لفيف من قادة العالم والمسؤولين. وبدأت قافلة السفن في العبور مُعلنة للعالم أجمع: أن قناة السويس عادت مصرية خالصة، وأن الإرادة المصرية هي التي تتحكم في هذا الشريان الحيوي.
بإعادة افتتاح القناة، تلقت إسرائيل صفعة نفسية وسياسية جديدة؛ فبعد أن أسقط الجيش المصري أسطورتهم العسكرية في 1973، جاء يوم 5 يونيو 1975 ليضيع عليهم فرحة انتصارهم الواهية والمؤقتة عام 1967، ويؤكد للعالم أن مصر لا تنسى ثأرها، وتحول هزائمها إلى انتصارات تُدرس.
** وسيظل الشريان نابضًا
إن يوم 5 يونيو لم يعد في الذاكرة المصرية يومًا للحزن، بل أصبح عيدًا للملاحة العالمية وعيدًا للإرادة الوطنية. لقد أثبتت مصر في هذا اليوم أنها لا تحارب فقط من أجل نفسها، بل من أجل رخاء العالم أجمع بربط شرقه بغربه.
سيظل هذا التاريخ رمزًا للأمل، والتخطيط الإستراتيجي الفذ، والتضحية. حفظ الله مصر، وحفظ جيشها العظيم الذي يصون الكرامة، وتحيا مصر دائمًا حرة، أبية، ومنارة للعالمين.