اهداء … الى
فريق ( دايركشن 2 ) واصدقاء الطفوله ورفقاء رحلة العمر :
مازن جريانى ..
عبير ناحوم / دينا نصار / نيفين سوريال / هاجر الصفدى / لمياء السرجانى
.. نزار شاكر / جاسر الرويدى / مؤمن حسن / البير حداد / ادهم فتحى
مطار باريس (شارل ديجول) الثامن من ابريل 2011 التاسعه صباحا .. وبعد احداث 25 يناير بقليل ..
استقبلنى بعد اجراءات الوصول صديق عمرى المقرب جدا الى قلبى ( مازن جريانى) الذى كان قد قرر السفر الى كندا للاقامه الدائمه هناك ثم اعاد النظر وقرر ان تكون باريس وطنه الثانى بعد مصر …
وكان سبب زيارتى لباريس هو العزاء فى وفاة احد اصدقاء الطفوله صديقى نبيل لبيب وكان زميلا لنا فى مدرسة الفرير ( كولاج دى لاسال ) – الظاهر – هاجر الى باريس هو واسرته .. وكان ملائكى الطباع هادئ وجميل الروح والاخلاق وشديد التسامح ومحب للجميع وتأثرت جدا جدا بصداقته وكان هو الصديق المقرب لمجموعة اصدقاء عمرى وتحديدا مازن جريانى الذى يشبهه فى الطباع والسلوك …..
هذه الرحله كانت سببا مباشرا لخروجى من الحزن الشديد الذى اصابنى بعد تلك التى يقال عنها ( ثورة ) 25 يناير … التى كانت سببا لتدمير الحاله النفسيه عند كثير جدا من اهل مصر المخلصين الاوفياء …
استقبلنى مازن جريانى واتجهنا الى منزله فى قلب العاصمه الفرنسيه .. وفى المساء تقدمنا بواجب العزاء لاسرة صديقنا الراحل نبيل لبيب الذى توفى متأثرا بمرض خطير …
ومع ليل باريس الساحر اختار مازن مكان رائع وهو من اقدم واجمل الاماكن الساحره فى فرنسا .. لقضاء سهرة نعيد فيها ذكريات الماضى وكان يعلم تماما مدى عشقى لهذا المكان .. وهو مطعم ( Le Procope ) – لو بروكوب – فى حى اوديون بالدائره السادسه بالقرب من غابة بولونيا الفرنسيه وليست بولونيا التى تقع فى جبل لبنان – فقط – تشابه اسماء ..
كنت ومنذ طفولتى وانا احلم بزيارة هذا المطعم الذى سمعت عنه كثيرا وعن المشاهير التى تأثرت بهذا المطعم .. يكفى شرفا لى ان اكون زائرا لمطعم كان مقراً لاجتماع قادة الثورة الفرنسية .. وبمناسبة كلمه ثورة .. كان اول سؤال من صديقى مازن لى بمجرد جلوسنا على طاولة العشاء فى مطعم لو بروكوب …
– ايه حكاية الثورة دى يابوب
– انت كمان يامازن بتقول عليها ثورة ؟
– احكى لى يابوب ايه اللى حصل
من غير مااحكى .. انا معايا ورقتين هما الخلاصه لكل اللعبه اللى حصلت .. وعلى ما العشا يجهز .. اقراهم انت بصوتك الجميل وسمعنى …
وبصوت مازن العذب الذى كنا نعشق سماعه كلنا فى فريق الموسيقى والاذاعه المدرسيه … عدنا الى احداث 25 يناير :
فجأه مجموعه من الشباب فى مظاهرة هادئه للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية…. لم يكن احد يتوقع ان هناك كارثه قادمه
ولكن يبدو ان الكارثه بالفعل قادمه مع يوم 26 يناير .. حيث استمرار الاحتجاجات … واشتباكات متفرقة بين المتظاهرين رغم وجود قوات الأمن في الشوارع .. وبالتالى اصبح المشهد واضحا وان هناك بركانا سينفجر لامحال … وهذا ما حدث بالفعل يوم 27 يناير .. حيث اتساع نطاق المظاهرات وانضمام أعداد أكبر من المواطنين والشباب للمحتجين .. وانفجر بالفعل البركان بالتصعيد الكبير يوم 28 وبلغ ذروته يوم 30 يناير ..
انفجر البركان يوم 28 يناير واطلقوا عليه (جمعة الغضب) اسود يوم فى احداث 25 يناير حيث شهد مواجهات واسعة ونزول قوات الجيش إلى الشوارع فى محاوله لحفظ الامن .. يوم 29 يناير اقال الرئيس حسنى مبارك حكومة أحمد نظيف وتعيين اللواء عمر سليمان نائباً لرئيس الجمهورية .. ويوم 30 يناير استمر الاعتصام في ميدان التحرير وسط تزايد أعداد المعتصمين بشكل ضخم الى ان اتت مرحلة الحسم والنهاية يوم (31 يناير الى يوم 11 فبراير) ومن 31 يناير الى يوم 10 فبراير ظلت الاحداث تتصاعد بشكل مرعب .. حيث استمرت الاحتجاجات اليومية، مع ضغط شعبي مستمر، وخطابات متباينة للسلطة لم تلبي مطالب المتظاهرين…… ثم عمت الفوضى البلاد .. مشاهد مؤلمه ومؤسفه لوطن اشعلت يد خفيه النار فيه … وطن حرقت ايادى اخوان الشر كل شيئ فيه … اعداء الوطن نجحوا فى نشر الفوضى … كل اعوان الشيطان اجتمعوا لتدمير الامه المصريه .. اجتمعوا لسقوط مصر ….
ادرك الرئيس حسنى مبارك مدى الخطر الذى سيحل على البلاد فقرر التخلى عن منصبه فى 11 فبراير .. تخلى البطل حسني مبارك عن الحكم وتسليم السلطة للقوات المسلحة لادارة شؤون البلاد …
لم اعد اتحمل البقاء فى هذا الوطن بعد احداث 25 يناير … وطنى لم يعد الوطن الذى ولدت وعشت فيه اجمل ايام عمرى منذ ان ولدت وحتى تخلى مبارك عن منصبه ..
لابد من اعادة فكرة الرحيل التى كنا نفكر فيها خلال احلام الصبا والمراهقه وفى فجر الشباب .. وبعد احداث 25 يناير لم يعد هناك اى اختيار اخر غير الرحيل عن الوطن … ولكن تراجعت عن قرارى .. فلست انا الذى يترك وطنه فى هذه الازمه وانا عاشق لتراب مصر .. ولست عاشقا ( لسلوك بعض اهل مصر ) والفرق شاسع .. فلن ارضخ لاختيار الرحيل .. وهو اختيار سبق ان سيطر على كل اصدقاء عمرى منذ فجر شبابنا … ولكن لم يكن ذلك بسبب صعوبة معيشه او نتيجة فقدان الامان اوعدم الاستقرار او وجود فوضى فى البلاد او توقع او خوف من سقوط الوطن وبالتالى صعوبة المعيشه او نتيجة احداث مثل 25 يناير .. لا … لا .. لا .. فقط كنا نفكر فى الرحيل نظرا لتأثرنا بالثقافه الاوروبيه بشكل كبير .. ربما لاننا جميعا درسنا فى مدارس الارساليات … ومدارس الارساليات هى مؤسسات تعليميه غربيه فى مصر مثل الفرير الفرنسيه والفرنسيسكان والمدارس الايطاليه …. تعلمنا فيها الكثير من القيم والاخلاقيات والرقى والتحضر والمحبه والتسامح .. وعلى الرغم من انها ارساليات مسيحيه الا ان تلك المدارس تعلم فيها كثير جدا جدا من الطلبه المسلمين وكانت روح المحبه والاخاء هى عماد العلاقات الانسانيه بيننا لم نفكر ابدا فى عبارة ( مسيحى ومسلم ) .. لم نفكر ابدا الا فى المحبه بيننا وفى الاخلاص والوفاء وصدق المشاعر والعلاقه النبيله بين المسلم والمسيحى ….
جيل عاش اجمل واروع وافضل سنوات العمر … بغض النظر عن بعض المشاكل الاجتماعيه .. لكن لم نكن نتوقع ابدا انه سيأتى يوم سيشتعل فيه الوطن وتعم الفوضى فيه بهذا الشكل المؤسف الذى نجحت فيه الشياطين ..
اول من رحل عن الوطن صديق عمرى مازن جريانى .. وبعده رحل كثير من اصدقاء العمر ..
ثم بعد اسابيع من احداث 25 يناير ارسل لى مازن خبر وفاة صديق الطفوله نبيل لبيب .. فقررت السفر فور سماع الخبر ووصلت مطار باريس (شارل ديجول) الثامن من ابريل 2011 التاسعه صباحا …. و…و …و ..
بعد قراءة مازن جريانى للورق الذى كتبته عن احداث 25 يناير .. كان العشاء امامنا … ولاحظ مازن مدى تأثرى وحزنى .. فقال
– جهز نفسك وتعال استقر هنا افضل لك ..
قلت مبتسما :
– كنت فعلا بفكر يامازن اعمل كده لحد اسبوع فات … لكن انا مش هقدر اعمل كده دلوقتى … انا عايز اكمل فى وطنى عايز اعيش النقله دى مع اهل بلدى .. رغم انى واثق ان الامور هتكون صعبه جدا وان مصر هتواجه ايام صعبه جدا جدا جدا … لكن انا مااقدرش اتخلى ابدا عن دورى … ومع الايام ومع التجربه الجديده انا هكتب كل شيئ للاجيال اللى جايه … لازم اعيش فى نفس الممر اللى كلنا كنا ماشيين فيه ومنتظرين شكل نهاية الممر .. وبعدها اكيد هيكون ممر الذكريات مش اكتر … ذكريات هكتبها انا وانت وكل اصدقاء العمر يامازن ….. وهستناك ترجع … لازم ترجع .. لازم
ومن نهاية شهر ابريل عام 2011 وحتى الان يوليو 2026 لم اغادر الوطن الا للعمل فقط او الزيارات ولااتحمل ابدا البقاء فى اى بلد اكثر من اسبوع .. تفرغت للعمل السياسى والادبى والعلمى ولعملى الخاص … وتفرغت بشكل خاص للكتابة والقاء المحاضرات ..
عاد مازن الى ارض الوطن … عاد كثير من اصدقاء الطفوله الى الحبيبه مصر اجتمعنا مره ثانيه وعدنا الى روح الماضى وشكلنا فريق عمل واندمجنا سويا فى اعمال ناجحه بما فيها الاعمال الخيريه والانسانيه ..
ولكن (!) مع بداية شهر مايو 2026 حدث مالم اكن اتوقعه ابدا وكان سببا مهما لكتابة مذكراتى على شكل سلسلة حلقات .. كانت هذه هى الحلقه الاولى التى مهدت من خلالها لسلسلة حلقات احكى من خلالها كثير من الاسرار البالغة الاهميه .. وكل شيئ عن الوطن وعن الذكريات وعن الاحزان والافراح والفشل والنجاح وتجارب العمر وسلوك البشر والازمات وعن رحلة عمرى انا شخصيا وفى النهايه سأكتب عن سبب اصرارى المفاجئ على الرحيل الى باريس والاقامه فيها حتى اخر العمر ((( ؟؟؟؟؟؟؟ ))) !!!! الى اللقاء فى الحلقه الثانيه
اعدته للنشر / عبير ناحوم
رفعته الى الصفحه الانجليزيه / نيفين سوريال
راجع المنشور دكتور / صفى الدين شاكر
صورة الغلاف بالذكاء الاصطناعى اهداء من / البير حداد
نشر على الصفحه الرسميه M / Y بواسطة / دينا نصار
الصحف الاليكترونيه والمواقع / هاجر الصفدى