منذ أسبوع، كنت في مهمة عمل داخل جريدة الأهرام ، المكان الذي شهد أولى خطواتي في عالم الصحافة. لم تكن زيارة عابرة، بل لحظة أعادت إليّ بداياتي، وجعلتني أتأمل كيف تغير كل شيء، وكيف بقيت بعض القيم كما هي.
ففي رحلة الحياة، لا نتعلم فقط من لحظات الفرح، بل من تلك الانكسارات الصغيرة التي تعيد تشكيلنا من الداخل، وتجعلنا نرى الناس بعيون أكثر صدقا وأقل اندفاعا.
تعلمت، بعد تجارب لم تكن سهلة، أن الطيبة ليست دائما فيمن لم يؤذنا، بل فيمن لم يؤذ أحدا. فكم من شخص بدا لنا هادئا، لم يمسنا بسوء، بينما كانت كلماته تجرح غيرنا دون رحمة. كنا نظن أننا مختلفون، وأننا خارج دائرة أذاه حتى اكتشفنا، متأخرين، أن من يعتاد القسوة لا يعرف الاستثناء. وأن الدور، مهما تأخر، يأتي.
لكن الحياة، رغم قسوتها، تخفي جانبا أكثر دفئا. جانبا يتمثل في أشخاص مروا في حياتنا وتركوا أثرا طيبا. أشخاص كانوا بجانبنا في أوقات صعبة، وقدموا لنا دعما صادقا دون مقابل. قد تُبعدهم الظروف، وقد تفرقنا الأيام، لكن أثرهم يظل حاضرا في داخلنا لا يُنسى. ومن هنا تعلّمت درسا مهما، لا تنس المعروف، حتى لو فرقتكم الطرق، وإن عاد يومًا من كان لك سندًا، فلا تتردد أن تكون له السند.
وفي الحياة العملية تحديدًا، قد نمر بمواقف لم نكن نتوقعها، تختلط فيها الأمور وتختلف فيها المعايير. أحيانا نشعر أن الطريق يُغلق أمامنا، وأن الفرص تذهب لغير مستحقيها. تمر لحظات من الإحباط، تجعلنا نظن أن كل شيء قد انتهى.
لكن ما لم نكن نراه في حينه، أن تلك اللحظات كانت تُعيد ترتيبنا لا إقصاءنا، وتُمهد لعودة مختلفة لا تشبه ما قبلها. فليس كل ابتعاد خسارة، وليس كل تعثر نهاية. أحيانا، يكون الانسحاب القسري هو المسافة التي نحتاجها لنرى الطريق بوضوح، وتكون الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا سببًا في أن نطرق أبوابًا أوسع، وأكثر عدلًا. وهناك دائمًا من يُقدر له أن يمد يده في التوقيت الصحيح، لا ليُنقذك فقط، بل ليُعيدك إلى نفسك أقوى، وأهدأ، وأكثر استحقاقا.
وفي هدوء الأيام، بعيدًا عن صخب اللحظة، أدركت أن الظلم لا يدوم. قد يبدو الظالم قويًا، منتصرًا، لكنه يحمل في داخله بذرة نهايته. فالحياة، بطريقتها الخاصة، تُعيد ترتيب الموازين، وتمنح كل إنسان ما يستحقه ولو بعد حين.
وفى النهية لا يبقى من الإنسان سوى أثره. لا مكان للقسوة في ذاكرة الناس، ولا خلود إلا لمن كان أحن، وأصدق، وأقرب إلى إنسانيته. فالبقاء ليس للأقوى بل للأفضل. لمن أحب بصدق، وسامح بكرم، وترك خلفه قلبا دافئا في حياة الآخرين.
هكذا علمتني الحياة أن أُحسن الاختيار، وأن أتمسك بالوفاء، وألا أنخدع ببدايات براقة تخفي نهايات موجعة. وأن أؤمن، مهما تعثرت، أن الخير لا يضيع، وأن لكل حكاية عدلها، وإن تأخر ظهوره. فما بين انكسار يعيد تشكيلنا، وعدل يأتي في وقته، تبقى الحقيقة الأعمق التي نغفلها أحيانا أن الأيام لا تثبت على حال، وأن ما نمر به اليوم ليس إلا فصلًا عابرا في حكاية أكبر…
“وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس”.