بقلم دكتور/ طارق هلال
كان يا ما كان…في أحد أيام القرية، تجمع بعض الشباب في الساحة، وكان بينهم فتى جديد جاء إلى القرية منذ أيام. كان يتحدث بلهجة مختلفة قليلاً، ويرتدي ملابس بسيطة. اقترب منه أحد الشباب وقال ساخراً: ما هذه اللهجة؟ هل تتحدث معنا أم مع أهل قريتك؟ ضحك بعض الموجودين. حاول الفتى أن يبتسم، لكنه لم يجد ما يقوله. قال شاب آخر: وانظروا إلى ملابسه!. ارتفعت الضحكات أكثر.
كان ابن جحا يمر بالمكان، فتوقف. نظر إلى الفتى…ثم إلى الشباب. ولم يضحك. وصل جحا بعد قليل، فوجد ابنه واقفاً صامتاً. سأله: لماذا لا تضحك معهم؟…قال الابن: لأنني لا أرى شيئاً مضحكاً. نظر جحا إلى الفتى، ثم قال: إذن تعالوا نجرب شيئاً.
تعجب الجميع…أخرج جحا قطعة قماش قديمة، ووضعها على كتفه، ثم بدأ يتحدث بلهجة غريبة متعمداً. ضحك الجميع. ثم قال جحا: الآن أنا الذي أصبحت موضع الضحك. ثم خلع القماش، وعاد إلى طبيعته. وقال: هل تغيرت قيمتي؟ صمت الجميع… قال الابن: “لا”. ابتسم جحا: وهل تغير عقلك لأنك ضحكت؟….قال الابن: “لا”.
ثم نظر جحا إلى الفتى وقال: وهل تغيرت قيمتك لأن بعض الناس ضحكوا عليك؟ رفع الفتى رأسه ببطء…وقال: “لا”…في تلك اللحظة، كان الحمار واقفاً بالقرب منهم.
رفع رأسه وقال: “غريب!”….. نظر الجميع إليه. فأكمل: “أنتم تسخرون من شخص لأنه مختلف…” ثم نظر إلى أذنيه الطويلتين وقال: ” ولو كان الاختلاف عيباً… لكنت أنا أول من طردتموه من القرية!”…انفجر الجميع بالضحك. لكن هذه المرة…كان الفتى يضحك معهم. اقترب منه أحد الشباب الذين سخروا منه، وقال: “آسف”. نظر إليه الفتى. فأكمل: “لم أفكر أن كلامي يمكن أن يؤذيك”.
ابتسم جحا وقال: “وهنا الفرق…”……. “بين من يضحك على الإنسان، ومن يضحك معه”.
التنمر ليس دائماً ضربة أو كلمة قاسية.
أحياناً يكون نظرة…أو ضحكة…أو تقليداً لشخص أمام الآخرين… أو تعليقاً نقوله وننساه، بينما يظل عالقاً في ذاكرة صاحبه سنوات. وقد يعتقد المتنمر أنه يمزح، لكن السؤال الأهم ليس: “هل كنت أمزح؟” بل: “هل كان الطرف الآخر يضحك معي… أم كان يضحك لأنه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه؟”….
اختلاف الناس ليس عيباً. اختلاف الشكل، واللهجة، والقدرات، والملابس، والآراء، وحتى طريقة التفكير، هو جزء من طبيعة الحياة. والقوة الحقيقية ليست أن تجد شخصاً أضعف منك لتضحك عليه. القوة أن تجعل من حولك يشعرون بالأمان في وجودك.
أما من يرى شخصاً يتعرض للتنمر ويضحك معه، فهو لا يقف خارج المشكلة تماماً، لأن ضحكته قد تمنح المتنمر شعوراً بأن ما يفعله مقبول. لذلك…إذا رأيت شخصاً يتعرض للتنمر، لا تكن جمهوراً. كن إنساناً.
حكمة جحا
“قد تنسى أنت الضحكة بعد دقائق… لكن صاحبها قد يتذكرها سنوات…فأجمل ضحكة… هي التي لا يحتاج أحد بعدها أن يخفي دموعه”.