بقلم _ أمير فيصل أمين عام حزب الغد بسوهاج :
تخوض الدولة المصرية في غمار المشهد العالمي المرتبك معركة حاسمة لا تقل شراسة عن حروبها العسكرية التقليدية عبر التاريخ؛ إنها معركة الوعي وبناء الإنسان. وفي هذا السياق، لم تكن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة لإنشاء منصة رقمية تفاعلية خاصة بالشباب مجرد فكرة تنسيقية أو ترف تكنولوجي، بل جاءت بمثابة قرار استراتيجي بعيد المدى، يستهدف إعادة صياغة أدوات المواجهة في الفضاء السيبراني الذي تحول إلى ساحة حرب مفتوحة تستهدف عقول الأجيال الصاعدة وتماسك الأوطان.
إن التدقيق التحليلي في طبيعة التحديات الراهنة يفرض علينا أولاً فهم الآليات الخبيثة التي تُدار بها المؤامرات الدولية الموجهة ضد المجتمعات النامية، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط. لم تعد الجيوش النظامية هي الأداة الوحيدة لتفتيت الدول من الداخل، بل حلّت محلها منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها الموجهة كأخطر أسلحة حروب الجيلين الخامس والسادس. هذه الفضاءات الرقمية، التي تسيطر عليها كارتيلات وتكتلات دولية عابرة للقارات، لا تعمل بشكل عشوائي، بل تعتمد على استراتيجيات سيكولوجية معقدة لغسيل أدمغة الشباب وتزييف وعيهم الجمعي. يتم ذلك عبر بث جرعات مكثفة ومدروسة من الإحباط، ونشر ثقافة التشكيك في المنجزات الوطنية، وتغذية النزعات العدمية والانعزالية، فضلاً عن تصدير أنماط سلوكية وقيمية غريبة عن مجتمعاتنا تهدف إلى تفكيك الرابطة الأسرية والاجتماعية. الشباب، بمرونته الفكرية واندفاعه العاطفي، يقع في قلب هذا المستهدف؛ حيث تسعى تلك المخططات إلى تحويل الطاقة الشبابية الحيوية من قوة دفع للبناء والإنتاج إلى قنبلة موقوتة قادرة على تقويض ركائز الاستقرار بمجرد تحريكها عبر “تريند” عابر أو شائعة ممسوكة ومصنوعة في غرف استخباراتية مغلقة.
في مقابل هذا التهديد الوجودي الممنهج، تبرز الأهمية القصوى والجانب الإيجابي المضيء لدعوة الرئيس السيسي لتأسيس هذه المنصة الشبابية المبتكرة.
هذه المبادرة لا تتبنى منطق المنع والمنغلق، بل تنطلق من فلسفة المواجهة الإيجابية والبديل التنافسي. إنها خطوة جبارة نحو استعادة “السيادة الرقمية” وتوفير حاضنة وطنية آمنة تتيح للشباب المصري والعربي مساحات حرة للتعبير عن طموحاتهم وأفكارهم دون الوصاية الأجنبية أو السقوط في فخاخ التوجيه الخفي. وتحمل هذه المدعوة الرئاسية حزمة من المكاسب الاستراتيجية التي يمكن رصدها في النقاط الحيوية التالية:
• توطين الوعي الوطني: خلق جدار صد معرفي يحصن عقول الشباب ضد الأكاذيب والمفاهيم المشوهة من خلال تقديم الحقائق والمعلومات الموثقة من مصادرها الرسمية مباشرة.
• مأسسة الحوار الفعال: تحويل النقاشات الشبابية المبعثرة على الشبكة العنكبوتية إلى حوارات مثمرة ومنتجة تسهم في صناعة القرار وتقديم حلول واقعية للتحديات المجتمعية.
• اكتشاف ورعاية المواهب: توفير بيئة رقمية متكاملة لتبني المبتكرين والمبدعين في كافة المجالات، وربطهم بمؤسسات الدولة لترجمة أفكارهم إلى مشاريع على أرض الواقع.
• تفكيك الشائعات: تفعيل آلية الرد السريع والفوري على حملات التشكيك الممنهجة، مما يحرم قوى الشر من ميزتي المباغتة واحتكار المعلومة.
• تعزيز قيم التسامح: نشر ثقافة الحوار البناء وقبول الآخر، ومواجهة أفكار التطرف والكراهية التي تتغذى عليها الجماعات الظلامية في السراديب الرقمية.
إن البُعد الأعمق لهذه المنصة يتجاوز مجرد فكرة التواصل؛ فهو مشروع استراتيجي يسعى إلى توظيف طاقات الشباب التكنولوجية لخدمة قضايا التنمية المستدامة ورؤية مصر المستقبلية. عندما يجد الشاب نفسه شريكاً حقيقياً في صياغة الرواية الوطنية، ومستمعاً إليه عبر منصة تمتلك الموثوقية والقدرة على التغيير، سيتلاشى لديه شعور التهميش الذي تسعى المنصات المعادية لترسيخه وتضخيمه.
إن المبادرة الرئاسية هي دعوة صريحة للتحول من موقع الدفاع وتلقي الضربات الرقمية، إلى موقع الهجوم وامتلاك زمام المبادرة التكنولوجية، وبناء منصات تعبر عن هويتنا وثقافتنا وتصون مقدراتنا.
ختاماً، يجب أن ندرك ككتّاب ومفكرين ومسؤولين أن إطلاق هذه المنصة ليس نهاية المطاف، بل هو البداية الحقيقية لمعركة شاقة تتطلب تضافر جهود المؤسسات التعليمية، والإعلامية، والتكنولوجية، لضمان تقديم محتوى عصري وجاذب ينافس بقوة في سوق الأفكار الرقمي. إن حماية شبابنا هي حماية للأمن القومي بمفهومه الشامل، والدعوة الرئاسية وضعت أيدينا على الداء وقدمت الدواء الناجع، وعلينا الآن جميعاً مسؤولية التنفيذ والابتكار لتبديد ظلمات المؤامرات بنور الوعي والعمل المخلص