يقف الاقتصاد المصري أمام مرحلة مهمة تتطلب الانتقال من مجرد التعامل مع الضغوط الاقتصادية الى بناء مصادر قوة مستدامة قادرة على تحقيق النمو وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين .
فالتحدي الحقيقي لم يعد مقتصرا على توفير النقد الأجنبي وإنما أصبح يتمثل فى بناء اقتصاد قادر على توليد موارده من خلال الانتاج والصناعة والتصدير والاستثمار والخدمات فالدول لا تحقق قوتها الاقتصادية بالاقتراض أو الاعتماد على الموارد التقليدية وحدها وإنما بقدرتها على الانتاج والمنافسة وتوليد القيمة المضافة .
وتمتلك مصر مقومات كبيرة تؤهلها لتحقيق هذا الهدف بداية من مواقعها الجغرافي المتميز وقناة السويس والموانىء والبنية الاساسية وصولا الى سوق محلية واسعة وقاعدة بشرية يمكن أن تمثل قوة اقتصادية حقيقية أذا جرى توظيفها بالشكل الصحيح .
لكن امتلاك هذه المقومات لا يكفى فالمطلوب هو تحويلها الى مشروعات انتاجية قادرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات وتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي .
ويأتى الاستثمار الأجنبي الحقيقي فى مقدمة الادوات التى يمكن ان تسهم فى تحقيق ذلك عندما
يضيف الى الاقتصاد المصري قدرات انتاجية جديدة ويساعد على بناء بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة والتصدير ويوفر فرص عمل مستقرة ويعزز قدرة الصناعة الوطنية على تلبية احتياجات السوق المحلية
كما ان الموقع الجغرافي المتميز وقناة السويس يمنحان مصر فرصة كبيرة للاستفادة من حركة التجارة العالمية لكن تعظيم هذه الفرصة يتطلب ربط الموانىء بالمناطق الصناعية وتطوير الخدمات اللوجستية وتبسيط الاجراءات الجمركية وتوفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة .
تظل تحويلات المصريين العاملين بالخارج إحدى الركائز المهمة للاقتصاد المصرى لما توفره من تدفقات من النقد الاجبنى وما تسهم به فى دعم للاستهلاك والاستثمار . الا ان الاعتماد على أى مصدر منفرد للنقد الاجنبى لا يمثل حلا مستداما مهما بلغت اهميته فاستقرار الاقتصاد يتطلب تنويع موارده وبناء مصادر انتاجية قادرة على توليد العملة الاجنبية بصورة مستمرة
ومن هنا فإن الحل يرتبط بتوسيع قاعدة الانتاج والتصدير وزيادة الاستثمارات المنتجة وتنمية السياحة وتطوير الخدمات القابلة للتصدير الى جانب الاستفادة من تحويلات المصريين فى توجيه جانب منها بصورة طوعية نحو مشروعات استثمارية تسهم فى زيادة الانتاج وخلق فرص العمل . وتملك مصر كذلك طاقات بشرية كبيرة يمكن تحويلها الى مصدر مستدام للنقد الأجنبي من خلال التوسع فى تصدير الخدمات خاصة فى مجالات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والخدمات الهندسية والاستشارات والخدمات المهنية .
وأصبح الاستثمار فى التعليم والتدريب والتأهيل الرقمي أصبح ضرورة اقتصادية فالعنصر البشرى المؤهل يمثل أحد أهم مصادر التنافسية فى الاقتصاد العالمي ويمكن لمصر الاستفادة من الكفاءات الشابة وتطوير مهاراتها اللغوية والتكنولوجية وتوفير بيئة تشجع الابتكار وريادة الاعمال بما يفتح اسواقا جديدة امام الخدمات المصرية ويزيد من قدرتها على المنافسة عالميا
وهذا يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على دعم الصناعة الوطنية وتطوير الزراعة وزيادة الصادرات وجذب الاستثمار المنتج وتنمية الخدمات القابلة للتصدير وتأهبل العنصر البشرى بالتوازى مع تحسين بيئة الاعمال وتبسيط الاجراءات وتعزيز قدرة الشركات المصرية على الوصول الى الاسواق الخارجية .
فالمستقبل الاقتصادي لمصر يرتبط بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافى ومواردها البشرية وامكاناتها الاستثمارية الى قوة انتاجية حقيقية وكلما زادت قدرة الاقتصاد على انتاج السلع والخدمات القابلة للمنافسة فى الاسواق المحلية والعالمية زادت قدرته على توفير فرص العمل وتوليد النقد الاجنبى وتقليل مواطن الضعف المتربطة بالاعتماد على مصادر محدودة .
ان الانتاج ليس مجرد شعار اقتصادي وانما هو أحد أهم المسارات لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الازمات وتقليل الاعتماد على الاقتراض وزيادة الدخل وتوفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي .
لذلك فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية لا تتمثل فقط فى تدبير النقد الأجنبي عند الحاجة وانما فى بناء القدرة على انتاجه بصورة مستدامة من خلال اقتصاد يعمل بكفاءة وصناعة تنافسية وزراعة أكثر انتاجية وخدمات قابلة للتصدير واستثمارات تضيف الى الطاقة الانتاجية للاقتصاد .