بداية…
نشأت الديهي ليس إعلاميًا مجهولًا اقتحم المشهد بالصدفة!
هو إعلامي معروف، له سنوات من العمل والحضور على الشاشة، وتجربة قوية، مهنية وإدارية، فضلًا عن مشاركته في تغطية أحداث وفعاليات دولية وسياسية مهمة، تؤهلنا للحديث عنه بكثير من الموضوعية، لا أن يُختزل تاريخه كله في مشهد واحد أو عبارة أثارت جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
ما شهدته الساحة الإعلامية خلال الأيام الماضية من هجوم واسع على الرجل، على خلفية مشاركته في القمة الروسية الإفريقية، وما دار بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر الصحفي بموسكو، يطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة النقد الإعلامي، والحد الفاصل بين الاختلاف المهني والحملات التي تستهدف النيل من الأشخاص وتشويه صورتهم.
في موسكو..
كان الديهي حاضرًا في مناسبة دولية مهمة، ووجّه إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تساؤلات تتعلق بالدور الروسي في تسوية النزاعات داخل القارة الإفريقية، فضلًا عن التطورات المرتبطة بالعلاقات الروسية الأوروبية وتصاعد الخطاب بشأن احتمالات الصدام العسكري. وهذه موضوعات تتجاوز بكثير الجدل الذي جرى اختزاله لاحقًا في طريقة تعريفه بنفسه والقناة التي يمثلها.
مقاطعة بوتين للديهي وطلبه منه التعريف بنفسه وبالمؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها، واقعة لا تحتمل كل هذه التأويلات، ولا يجوز تحويلها إلى حكم نهائي على كفاءة إعلامي أو قدرته على تمثيل بلاده مهنيًا.
وجاءت قصة اسم القناة، والجدل المصاحب لاستخدام تعبير «العاشرة المصرية» بدلًا من الاسم المعروف «TeN»، وهي مسألة أوضح الديهي أن وراءها تصورًا لتعريب اسم القناة والاحتفاظ بهويتها البصرية. قد نتفق أو نختلف مع هذا التصور، لكن هل يستحق اختلاف في التسمية كل هذه الضجة المفتعلة؟ وهل أصبح من المقبول أن تتحول ملاحظة مهنية إلى مادة مفتوحة للتجريح أو السخرية؟!
المشكلة الحقيقية ليست في أن يختلف إعلاميون أو صحفيون، أو حتى أشخاص عاديون، مع الديهي، فذلك حق أصيل، بل في أن يتحول الاختلاف إلى سباق للإساءة أو التشهير، وأن يصبح مشهد واحد مادة لمحاكمات جماعية، تتجاهل مضمون المشاركة وأهدافها وسياقها، وتبحث فقط عن لقطة قابلة للتداول والسخرية.
والأكثر إثارة للتساؤل، أن بعض تلك الأصوات لم تكتفِ بمناقشة ما حدث، وإنما ذهبت إلى مهاجمة الشخص ذاته، وتاريخه، وتجربته، وكأن المطلوب لم يعد تصحيح خطأ أو تسجيل اختلاف، وإنما إخراج الرجل من المشهد بالكامل.
ومن المهم أن نقول..
إننا لسنا مطالبين بأن نتفق مع نشأت الديهي في كل ما يقول، ولسنا مطالبين بالدفاع عن كل اجتهاداته، لكننا بالتأكيد لسنا أمام مبرر يسمح بإهدار سنوات من عمله الإعلامي، أو تحويل اختلاف في التقدير إلى محاكمة مفتوحة للنوايا والقدرات.
إن قوة الإعلام يا سادة، لا تُقاس بقدرته على صناعة التريند، وإنما بقدرته على احترام الحقيقة، والتمييز بين النقد والتجريح، وبين تصحيح الأخطاء ومحاولات اغتيال المعنويات.
قد يختلف البعض مع نشأت الديهي، وقد ينتقدون أداءه، لكن الإنصاف يقتضي ألا نشارك، ربما عن غير قصد، في حملة تستهدف شخصه بدلًا من مناقشة ما قدمه. فالنقد حق، والإنصاف واجب، والاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات!
حفظ الله مصر.