عبدالرحيم عبدالباري
“مشرط التفتيش على طاولة الخدمة: جولة تصحيحية في صرحين من صروح الطب أحمد ماهر والجمهورية التعليمي”

في مشهد يجسد روح المتابعة الميدانية الجادة والتفاعل المباشر مع الواقع الصحي، شهد مستشفى أحمد ماهر والجمهورية التعليمي زيارة مفاجئة من الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، رفقة لجنة ضخمة تمثل مختلف التخصصات الرقابية والطبية. زيارة دامت أكثر من ثماني ساعات كشفت كثيراً من التحديات، وطرحت أسئلة ملحة حول كفاءة التشغيل، وجودة الخدمة، وجدوى الخطط الإصلاحية في أحد أكبر الصروح الطبية في مصر.
في صباح الإثنين ٢٣ يونيو ٢٠٢٥، حط موكب غير اعتيادي أمام بوابات مستشفى أحمد ماهر والجمهورية، لم يكن موعد تفتيش معلن ولا زيارة بروتوكولية روتينية. بل كانت مفاجأة من العيار الثقيل قادها رئيس الهيئة بنفسه، ومعه وفد يتكون من ٦٠ فرداً من مختلف قطاعات الهيئة، بينهم خبراء في الصيدلة، الجودة، السلامة، مكافحة العدوى، الشئون القانونية والهندسية. هذا التشكيل المكثف لم يكن عبثًا، بل دلالة قوية على جدية التحرك وسقف التوقعات العالية.

بدأت الجولة باجتماع عاجل مع القيادات الفنية بالمستشفى، حيث تم عرض تقارير الأداء ومعدلات القصور في عدد من الأقسام. لم يكتفِ رئيس الهيئة بالاستماع، بل أصدر أوامر فورية، من أبرزها تشكيل وحدة لجراحة الصدر، وتأكيده أن ضغط المرضى الكبير لا يبرر التراجع في مستوى الخدمة. كما أكد أن على إدارة المستشفى سرعة الرد على تقارير التفتيش السابقة، مما يعكس تحركاً صارماً لا يحتمل المماطلة أو التبرير.
من أقسام الاستقبال إلى وحدات الطوارئ، وضع رئيس الهيئة يده مباشرة على مواضع الخلل. طالب بمراجعة سياسات التحويل، وناقش ملفات مرضى بعينهم، بل وتحرك بنفسه لتوجيه الأطباء بشأن تحويل حالة طارئة للحجز الفوري. كما وجه انتقادات حادة لاستخدام وحدات الأشعة لأغراض غير طارئة، محذرًا من التهاون في إدارة الموارد الحيوية. وأعطى تعليمات واضحة بإعادة هيكلة عناصر العمل داخل الطوارئ، وضخ أصحاب الخبرة.

الرعاية المركزة والحرجة لم تغب عن خطة المرور، إذ حرص رئيس الهيئة على مراجعة الجداول والتأكد من تواجد الفرق الطبية في مواقعهم. كما تمت مناقشة تفاصيل حالات مرضية مزمنة محجوزة منذ فترات طويلة، وسط تحذيرات من مخاطر العدوى. وأكد سيادته أن الإجراءات الوقائية يجب ألا تكون حبرًا على ورق، بل ممارسة يومية تُنقذ الأرواح، مشددًا على أهمية المتابعة الدقيقة لمعدلات الإصابة داخل أقسام العناية.
زيارة وحدة مناظير الجهاز الهضمي كانت مميزة، حيث قام رئيس الهيئة بنفسه بإجراء منظار لفتاة مريضة بحالة حرجة، وهو ما أثار دهشة الطاقم الطبي وأكد على طبيعة الزيارة “العملية” لا الشكلية. كما وجه بسرعة إحالة الأجهزة المعطلة للتكهين، ورفض ترك الأثاث التالف فوق الأسطح، وطلب تقريرًا تفصيليًا عن حالة البنية التحتية من مصاعد ومولدات وشبكات الغازات، مما يعكس اهتمامًا فنيًا وإداريًا مزدوجًا.

اختتمت الجولة بنقاش عميق حول أزمة التمريض ونقص العمالة. وهي قضية مزمنة في القطاع الطبي المصري. أكد رئيس الهيئة أنها من أولويات الإصلاح، وأمر بوضع حلول جذرية عاجلة. كما أشار إلى ضرورة إعادة توزيع القوى البشرية واستثمارها بكفاءة، متوعدًا بمتابعة كل التكليفات بدقة وجدية، وتوعد الإدارات المتقاعسة بالمحاسبة، في إشارة إلى أن وقت التهاون قد انتهى.
زيارة مفاجئة، ولكن آثارها لن تمر مرور الكرام. فقد حملت في طياتها رسائل كثيرة، أهمها أن إصلاح المنظومة الصحية يبدأ من قلب المستشفيات لا من مكاتب المسؤولين. وبين تحديات التشغيل ونقص الموارد، برزت إرادة حقيقية للتغيير. أحمد ماهر والجمهورية لم تعودا مجرد مؤسستين طبيتين، بل صارتا الآن في قلب مشهد إصلاحي يتابع فيه مشرط التفتيش أدق التفاصيل، بحثاً عن علاج حقيقي لأوجاع المنظومة الصحية في مصر.