عبدالرحيم عبدالباري
لم تكن بين شربين وشرم الشيخ مجرد مئات الكيلومترات، كانت هناك حكايتان لطفلين جمعتهما لحظة واحدة من الخطر، بينما كان الفارق بينهما في المكان والجنسية والظروف، أحدهما طفل مصري من محافظة الدقهلية، والآخر يونس، طفل إيطالي من أصول مغربية كان يقضي إجازته في شرم الشيخ، لكن حين توقفت أنفاس الطفلين لم يعد هناك معنى للجنسية أو اللهجة أو المكان، وبقيت فقط مهمة واحدة أمام رجال الإسعاف المصري، أن تعود الحياة إلى جسد صغير يقاوم الموت، وأن تتحول الدقائق التي تفصل بين الغرق والنجاة إلى فرصة جديدة للطفولة كي تستكمل طريقها.

في شربين، بدأت الحكاية أمام تمركز إسعاف قرية بساط كرم الدين، حين وصل توك توك يحمل طفلًا عثر عليه الأهالي غريقًا بأحد المجاري المائية، وكان المشهد كفيلًا بأن يختبر أعصاب أي إنسان، لكن المسعف فضل محمود لم ينتظر لحظة، وما إن رأى وجه الطفل وقد بدأ يميل إلى الزرقة حتى أسرع بانتشاله من التوك توك، ومدده على الأرض وبدأ إجراء الإنعاش القلبي الرئوي، ثم نقله إلى كابينة المريض بسيارة الإسعاف، واستمر في الضغطات الصدرية طوال الطريق، وكأنه كان يحاول أن ينتزع الطفل من قبضة الموت ضغطة وراء ضغطة.
لم يكن الطريق إلى مستشفى شربين مجرد رحلة نقل، بل كان سباقًا مع الزمن، فضل محمود لم يتوقف عن محاولاته، وفني القيادة عبده محمود كان يقود السيارة بينما تستمر محاولات إنقاذ الطفل في الخلف، وعندما وصلت السيارة إلى المستشفى كان أطباء الطوارئ في انتظار الحالة لاستكمال إجراءات الإنعاش، ولم يغادر المسعف فضل محمود ولا فني القيادة عبده محمود الطفل، وظلا إلى جواره حتى تم إيداعه بالعناية المركزة، ثم جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع، الطفل يستعيد عافيته خلال أيام قليلة ويتماثل للشفاء ويعود إلى منزله، وكأن كل ضغطة صدرية في تلك الرحلة كانت تكتب سطرًا جديدًا في قصة نجاته.

وعلى بعد مئات الكيلومترات، كانت شرم الشيخ تكتب الفصل الثاني من الحكاية، ففي أحد الفنادق وصلت الاستغاثة إلى الخط الساخن 123 بشأن تعرض طفل صغير للغرق، ولم يحتج رجال الإسعاف سوى ست دقائق للوصول إلى موقع البلاغ، وهناك وجد المسعف محمود محمد طبيبًا يجري الإنعاش القلبي للطفل، فانضم إليه فورًا، وبدأ الاثنان العمل بالتناوب، ضغطات صدرية ومحاولات متواصلة لاستعادة العلامات الحيوية، ثم جرى نقل الطفل إلى سيارة الإسعاف واستكمال الإنعاش داخل كابينة المريض، مع توصيل جسده بأقطاب جهاز AED مزيل الرجفان الآلي بعد تجفيفه وتركيب مجرى هوائي له، لتتحول سيارة الإسعاف خلال دقائق إلى غرفة إنقاذ متحركة.
وقبل الوصول إلى مستشفى شرم الشيخ الدولي، بدأت المؤشرات الحيوية للطفل في التحسن، وهي اللحظة التي تغير فيها كل شيء، فبعد أن كان المشهد يحمل الخوف والقلق، بدأت علامات الحياة تعود إلى الجسد الصغير، لكن المهمة الإنسانية لم تتوقف عند الإجراءات الطبية، إذ وجد المسعف محمود نفسه أمام أب يطغى على ملامحه الذهول والصدمة، فكان عليه أن يؤدي دورًا آخر لا يقل أهمية عن الإنعاش، أن يمنح الأب شيئًا من الطمأنينة وسط أسوأ لحظات الخوف، فأخبره أن حالة الطفل تشهد تحسنًا كبيرًا وأن علاماته الحيوية بدأت في العودة، لتصبح الكلمة هذه المرة جزءًا من الإسعاف، وربما كانت أكثر ما يحتاج إليه الأب في تلك اللحظة.
يونس والسيد، طفلان لا يعرف أحدهما الآخر، ولا يجمع بينهما وطن واحد ولا مدينة واحدة، أحدهما إيطالي من أصول مغربية يقضي إجازته في شرم الشيخ، والآخر ابن محافظة الدقهلية، لكنهما التقيا في نقطة لا تعرف الحدود، لحظة كان فيها الموت قريبًا والحياة تحتاج إلى من يقاتل من أجلها، وهنا ظهرت القيمة الحقيقية لرجال الإسعاف المصري، الذين لا يسألون عن اسم المصاب أو جنسيته أو لغته قبل أن يمدوا أيديهم إليه، لأن المصاب في تلك اللحظة ليس مصريًا أو أجنبيًا، غنيًا أو فقيرًا، وإنما إنسان يحتاج إلى إنسان آخر.
وربما كانت أجمل خلاصة لهذه الحكاية أن المسافة بين شربين وشرم الشيخ لم تكن قادرة على الفصل بين رسالتين إنسانيتين، ففي المكانين تحرك رجال الإسعاف بالسرعة نفسها، وبالقلب نفسه، وبالمهنية التي لا تفرق بين طفل وآخر، اختلفت الأسماء واللهجات والجنسيات، لكن حين جاءت لحظة الإنقاذ كانت هناك لهجة واحدة يفهمها الجميع، لا تحتاج إلى ترجمة ولا إلى جواز سفر، إنها لهجة الحياة، تلك اللهجة التي تحدث بها فضل محمود وعبده محمود ومحمود محمد بأيديهم، حين رفضوا أن تكون النهاية كلمة «غريق»، وقرروا أن يمنحوا طفلين فرصة أخرى للعودة إلى الحياة