فى هذا الصباح ركبت سيارة مع سائق سيارة أجرة صامت لا يتكلم حيث سيارتى بها بعض الإصلاحات ..
و سألته قبل الركوب عن وِجهتي وهل يستطيع إيصالي إليها فأجابني برأسه : نعم ..
كلمته كعادتي مع كل من أرافقهم في طريقي عند إستقلالى سيارة أجرة .. فلا أحب أضيع فرصة للحديث مع أحد ولو رافقته ساعة ..
كلمته في كل شيء .. في الدين والدنيا .. في المعاد والمعاش ..
والرجل ساكت لا يرد .. فقط ينظر إليّا مبتسماً كأنه يوافقني ..
حتى وقع في نفسي شيء من الضيق .. إذ وجدت نفسي متطفلاً أكلم أحدا لا يكلمني .. وأمازح رجلا لا يمازحني !! لرجة أنى ظننت أنه أبكم لا يتكلم ولا يريد أن يظهر ذلك ..
غير أني كنت ألاحظ شفتيه بين الحين والحين تتمتمان بشيء لا أسمعه ..
حتى إذا ما وصلت لوجهتي وهممت بإعطائه أجرته و تكلم الرجل ولأول مرة فقال :
سامحني يا أخي ولا تحمل في نفسك شيئاً علي .. فقد ركبت معي في الصباح الباكر .. وهذا وقت وِردي من الذكر .. وقد عاهدت الله تعالى ألا أكلم أحداً قبله ..
لذا لا أبدأ في الكلام مع المخلوقين قبل أن أكلم الخالق وأناجيه بثلاثة آلاف تسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أو تهليلة تزيد أو تنقص قليلا .. وقد ركبت معي وقت ذكري .. فلا تؤاخذني بما وجدت من صمتي!!..
شكرت الرجل ودعوت له بالخير .. وانصرفت آسفا على نفسي .. وأنا الذي أستثقل أذكار الصباح التي ربما لا تستغرق أكثر من سبع دقائق .. وأحارب نفسي حتى أفتح مصحفي لأقرأ وردي ..
لقد هزني سائق التاكسي من مجامع قلبي هزاً .. وعلمني وهو في الشارع يجول و يصول ما لم أُعلّمه أنا للناس في محاريب الدرس واللقاءات التى تجمعنى بهم على إختلاف ألوانهم و أنواعهم .. وفوق المنابر بنفس بهاء المعنى وروعته..
ابدأ بالله .. ثم أكمل بقية يومك .. ساعتها تلتذ بطعم اليوم ولو كان في حُلوق الناس مُرا!!..
ما أروع الدين حينما يعاش واقعا من سائق الأجرة ..
وما أجمل الهدايات حين يسوقها الله إليك على ألسنة الذاكرين حقاً ..
إبدئوا حياتكم من عند الله .. إن أردتم السعادة والنجاة ..
هكذا علمني سائق التاكسي .. غفر الله له.