في لحظة تاريخية فارقة، حيث تتصاعد أنين غزة وصدى الصراعات يتردد في كل زاوية من المنطقة، يطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعوة مدوية للسلام، دعوة تتجاوز الشعارات لترسم خارطة طريق للعدل والإنصاف، وهذه الكلمات ليست مجرد خطاب سياسي عابر، بل هي بصيص أمل في زمن اليأس، وتحدٍ صريح لمفاهيم السلام الزائف، فهل تكون هذه الكلمة هي نقطة التحول التي تدفع الأنظمة العربية لإعادة ترتيب صفوفها نحو مستقبل يليق بشعوب المنطقة؟.
السلام: ليس قصفاً ولا تطبيعاً مرفوضاً
يؤكد الرئيس السيسي بحكمة بالغة أن “السلام لا يولد بالقصف، ولا يُفرض بالقوة، ولا يتحقق بتطبيع ترفضه الشعوب”، وهذه الرؤية الشاملة للسلام تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراعات في المنطقة، من غزة المنكوبة إلى السودان وليبيا وسوريا واليمن والصومال، وإنها دعوة صادقة لوقف دوامة العنف والكراهية، وإقرار بأن السلام الحق لا يمكن أن يقوم إلا على أسس العدل والإنصاف والتفاهم المتبادل، بعيدًا عن أي محاولات لفرض واقع بالقوة.
مصر: رائدة السلام والعدل
من منبر المسؤولية التاريخية، تناشد مصر، ممثلة برئيسها، أطراف النزاع والمجتمع الدولي الاحتكام إلى صوت الحكمة والعقل، ومصر، الداعمة دومًا للسلام، تدرك أن استمرار الحرب والاحتلال لن ينتج إلا مزيدًا من الكراهية والعنف، ويفتح أبواب الانتقام والمقاومة التي لن تُغلق، ورسالة واضحة: كفى عنفاً وقتلاً وتهجيراً، فالسلام، وإن بدا صعب المنال، ليس مستحيلاً، وتجربة السلام المصري الإسرائيلي في السبعينيات خير برهان على ذلك، إذا خلصت النوايا.
فلسطين: مفتاح السلام الحقيقي
يشدد الرئيس السيسي على أن السلام الشامل والدائم في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا المطلب ليس مجرد شعار، بل هو جوهر أي حل عادل وشامل. فبدون إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، ستظل المنطقة أسيرة لدورات العنف والصراع، ولن تتمكن أي محاولات للتطبيع من فرض سلام زائف على شعوب ترفض الظلم والاحتلال.
تضليل واشنطن وصمت العالم
تأتي تصريحات السيسي في وقت تتحدث فيه واشنطن عن قرب التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب في غزة، وسط أحاديث عن توسيع التطبيع، متجاهلة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل بدعم أمريكي، والتي خلفت مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والنازحين، وهذا التضليل ليس جديدًا، فالمجتمع الدولي نفسه يظهر ضعفه وتسييسه، حيث أعلن مسؤول في المحكمة الجنائية الدولية استقالته بسبب التهديدات الأمريكية، مما يعكس مدى تأثير واشنطن على مؤسسات العدالة الدولية.
فضائح دولية ومسؤولية تاريخية
القضايا المعروضة أمام محكمة العدل الدولية، مثل تحقيقها في الجرائم الإسرائيلية وحركة حماس، تواجه ضغوطًا هائلة وتهديدات بفرض العقوبات، مما يدفع المسؤولين للاستقالة، وهذا التسييس للمؤسسات الدولية وتهديد من يحاولون إحقاق الحق يكشف زيف ادعاءات العدالة الدولية، ويسلط الضوء على تواطؤ بعض القوى الكبرى في تغذية الصراعات، وهذا الوضع يجعل كلمة الرئيس السيسي دعوة ملحة ليس فقط للسلام، بل لإعادة بناء الضمير العالمي ومساءلة كل من يسهم في إدامة الظلم والصراع.
بين قدرة مصر وغياب السند
مصر، ورغم قدرتها الفائقة على فرض السلام في غزة، تجد نفسها وحيدة في مواجهة التحديات، تفتقد السند العربي الحقيقي، فالدول العربية، لاسيما الخليجية، تُركّز اهتمامها على أمريكا وترامب، واهمةً بالحماية مقابل الأموال، بينما تكمن القوة الحقيقية في وحدة الصف العربي والإسلامي، ومصر قادرة على حماية جميع دول المنطقة إن نالت الاهتمام الكافي والموارد التي تُضخ لأمريكا، والأموال التي تُدفع لواشنطن تُصرف على حروب تدمّر بلادنا وتقتل أطفالنا ونساءنا، بل وصل الأمر بوزراء الاحتلال إلى المطالبة بإعادة إعمار تل أبيب بأموال الخليج! هل أدركنا ما آلت إليه الأمور؟، ورسالتي للشعوب العربية التي تتطاول على مصر: ناشدوا أنظمتكم أولًا أن تصطف جادّة خلف مصر، وسترون حينها ما تستطيع مصر فعله.
ختامًا.. فهل من مستجيب؟
إن كلمة الرئيس السيسي، التي تخرج من قلب أمة عانت ويلات الحروب، هي نداء أخير للضمير العالمي، فهل تستجيب الأنظمة العربية لهذه الدعوة الصادقة للوحدة والاصطفاف خلف رؤية شاملة للسلام القائم على العدل؟ وهل يدرك المجتمع الدولي أن استمرار هذا النزيف لن يقتصر على حدود الشرق الأوسط، بل سيمتد ليطال الجميع؟ إن التاريخ سيسجل من صمت ومن تواطأ، ومن استجاب لنداء الحق، فالفرصة لا تزال قائمة لتحقيق السلام، ولكنها تتطلب شجاعة وإرادة حقيقية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح الفردية، وقبل أن تبتلع المنطقة في دوامة لا نهاية لها من العنف.