في عالمٍ يغلي بالصراعات، تبرز أيادٍ خفية تزرع بذور الشقاق بين الأشقاء، فتغذي نيران الخلاف حتى تتحول إلى حروب طاحنة. ثم تنتظر بترقبٍ حتى تتهاوى الدول وتنضب مواردها، لتبادر بعدها بعرض بضاعتها المسمومة: السلام! إنها الدائرة المأساوية ذاتها التي نعيشها اليوم بين الجزائر والمغرب، حيث تُصنع الأزمات في مختبرات خارجية، ثم يُهرع الأطراف لشراء السلاح من نفس البائعين، ليقدموا أنفسهم في النهاية كحَمام سلام! في هذا المشهد المُريب، يطلّ علينا الحقوقي والباحث البارز نبيل أبوالياسين بصوتٍ شجاع ليفكك هذه اللعبة الخطيرة.
وهذا ما قال أبوالياسين في بيانه الصحفي الاستثنائي:
فند أبوالياسين التدخل الأمريكي المفاجئ
وفند المحلل أبوالياسين الادعاءات الأمريكية حول “اتفاق سلام في 60 يومًا” بين الجزائر والمغرب، ووصفها بأنها “مسرحية مُخزية تتنافى مع طبيعة النزاعات المعقدة”. وأوضح أن مثل هذه التصريحات، خاصة من المبعوث ستيف ويتكوف، لا تستند إلى أي واقع دبلوماسي جاد، بل هي استعراض قوة إعلامي يهدف إلى اختراق المجال العربي وفرض وصاية جديدة. وأشار إلى أن “هذا التوقيت بالذات، في خضم احتجاجات “جيل زاد” وتصاعد التوتر، ليس صدفة، بل هو محاولة للاستفادة من حالة الضعف والانقسام لتمرير أجندات لا تخدم سوى الطرف الخارجي.
وأكد على دور الجامعة العربية المُعيق
وانتقل أبوالياسين إلى دور الجامعة العربية، مُلقياً باللوم الكبير على عجزها المتكرر في حل الخلافات بين الدول الأعضاء. ووضح أن “الجامعة العربية، وبسبب غياب الآليات الإلزامية وغياب الإرادة السياسية الحقيقية، تحولت إلى منصة للخطاب أكثر منها لأداء الفعل، مما يفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية.” وأضاف أن “هذا العجز المُزمن ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة لاختيارات سياسية، حيث تفضل بعض الأنظمة البحث عن حلفاء خارجيين بدلًا من بناء جسور الثقة مع جيرانها “كالحماية المستأجرة والسعي وراء زعامة وهمية، في ظل تغافل بعض الدول عن دور جمهورية مصر العربية كصمام أمان للأمة وزعيمتها الأبدية دون منازع.”
تساؤلات الجماهير العربية المُغيبة
وأمام هذا المشهد، تثور تساؤلات شعبية عربية ملحة: هل تقف الدول العربية متفرجة على التدخل الأمريكي في شؤون الجزائر والمغرب، في ظل عجز الجامعة العربية لسنوات؟ وهل يقبل الأمين العام أن يظل هذا هو المشهد؟ ينتظر الجميع بأسى إعلاناً عاجلاً عن تشكيل لجنة لإعادة هيكلة الجامعة، تضع آلية نافذة تلزم أي دولة بالحوار وتمنع تقاعسها، لأن حل الخلافات بين العرب يجب أن يبقى في بيتهم.
وأجاب على تساؤل: لماذا الآن بالذات؟
وردًا على التساؤلات حول توقيت المبادرة الأمريكية، أجاب أبوالياسين: السبب واضح وجلي. إنه استمرار لسياسة “فرّق تَسُد” التاريخية، ولكن بأدوات العصر. واشنطن ترى في المنطقة العربية ساحة لنفوذها ومصالحها الاقتصادية، خاصة في مجال السلاح والطاقة. إشعال نار الخلاف ثم التوسط لحلها هو استراتيجية تجارية وسياسية مربحة. إنهم لا يريدون سلامًا حقيقيًا، لأن السلام الحقيقي ينهي تجارتهم المربحة.
وشرح الآليات الخفية لصناعة الأزمات
وشرح الباحث أبوالياسين الآلية التي تعمل بها هذه القوى، قائلاً: تبدأ بزرع أو تأجيج خلاف تاريخي أو إقليمي، ثم تعمل على تضخيمه إعلاميًا ودبلوماسيًا. مع تصاعد التوتر، يبدأ سباق التسلح، وتُوقّع اتفاقيات الدفاع مع تلك الدول نفسها. وعندما تصل التكلفة البشرية والاقتصادية إلى ذروتها، يظهر “المنقذ” نفسه ليبيع حلولاً لا تحقق إلا مصالحه، تاركًا الدول منهكة ومستنزفة.
وختم أبوالياسين بيانه الصحفي قائلاً:
إن ما يحدث هو صفعة جديدة للكرامة العربية. كيف نسمح لأنفسنا أن نكون ألعوبة في أيدي من يريدون تقسيمنا ليبقونا ضعفاء؟ الأجدر بنا، كدول عربية، أن نوقظ ضميرنا الجماعي. الأجدر بالجامعة العربية أن تنتفض من سباتها وتستعيد دورها كبيت للعرب يجمع ولا يفرق. وإلى أشقائنا في الجزائر والمغرب، أقول: لقد جمعتكم الجغرافيا والتاريخ والمصير، فلا تفرقكم مؤامرات عابرة. مستقبل قوتكم وازدهاركم ليس في أحضان المستعمر الجديد، بل في وحدة الصف وبناء جسور الثقة بينكم. إن الطريق الوحيد للخلاص هو في يدكم أنتم، وليس في وعود واشنطن الخادعة.
وفي ختام بيانه الناري، وجه أبوالياسين نداءً عاجلاً للجامعة العربية يطالبها فيه بـ “ثورة إصلاحية شاملة”، داعياً إلى إعادة هيكلة جذرية فورية، ووضع آليات تنفيذية ملزمة – وليس مجرد قرارات – تجبر أطراف النزاع على الجلوس إلى طاولة الحوار. وشدد على أن “الحلول الحقيقية لا تُستورد من الخارج، بل تُصنع بإرادتنا”، مؤكداً أن على الجامعة أن تثبت أنها بيت العرب الحقيقي الذي يحل مشكلاته بنفسه.
وحذر قائلاً: “الاستمرار في هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من التفتت والتبعية. إننا أمام مفترق تاريخي: إما أن نتعلم من دروس الماضي ونتوحد لمواجهة التحديات، أو نستسلم لمخططات التفتيت التي تهدف إلى إبقائنا في مؤخرة الركب. الكرة الآن في ملعب النخب والشعوب لترفض هذا التدخل وتبني مستقبلها بيدها.